تحويشة العمر أم رشوة العمر؟ كيف صنع موظفون ومسؤولون ثروات خيالية من رخص التعمير!

ضربة قلم
المادة 48 من القانون رقم 90.25 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، كما تم تغييره وتتميمه بالقانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير، تُعتبر من بين المواد التي تكشف الخلل البنيوي والتعقيد القانوني والإداري الذي يميز منظومة التعمير في المغرب. هذه المادة، في بنيتها الظاهرية، تسعى إلى تنظيم عمليات المراقبة والجزاءات وتحديد المسؤوليات، إلا أن الممارسة الواقعية أفرغت محتواها من المضمون الزجري والوقائي الذي صيغت لأجله، وفتحت الباب واسعًا أمام أشكال متعددة من الريع والفساد والإثراء غير المشروع داخل الإدارات الترابية والتعميرية.
فالملاحظ أن العديد من الموظفين العاملين في مصالح التعمير بمختلف درجاتهم — من تقنيين ومهندسين ومتصرفين، إلى رجال السلطة برتب مختلفة — راكموا ثروات ضخمة لا تتناسب مع أجورهم ولا حتى مع الترقيات أو التعويضات النظامية التي توفرها الوظيفة العمومية. هؤلاء، ظلوا يستفيدون من غموض النصوص القانونية وتعدد المتدخلين، غالبا ما استثمروا مناصبهم لخدمة مصالح خاصة عبر تسهيل تمرير ملفات تجزئات عقارية أو رخص بناء أو شهادات المطابقة، مقابل إتاوات أو امتيازات مادية أو عقارية، وهو ما أصبح معروفا في الأوساط المهنية بعبارة “ثمن الرخصة”، التي يتم تداولها دون حرج في أوساط المقاولين أو طالبي الرخص، خاصة في المدن الكبرى التي تعرف ضغطا عمرانيا متسارعا.
ولعل مكمن الخلل لا يكمن فقط في النص القانوني، بل في طريقة تطبيقه، وتوزيع المسؤوليات بين الجهات المختصة، إضافة إلى ضعف آليات الرقابة والتتبع. فالمادة 48، مثلا، تمنح ضباط الشرطة القضائية والسلطات الإدارية مهام المراقبة وتحرير المحاضر، إلا أن هذه الصلاحيات ظلت حبرا على ورق ما لم تقترن بإرادة سياسية قوية وبقضاء مستقل وفعال. كما أن القانون لم يُرفق بما يكفي من الإجراءات التي تضمن حماية المبلغين عن الفساد، ولم يضع آليات صارمة للتصريح بالممتلكات أو تتبع مسار ثراء الموظفين، رغم أن هناك مقتضيات في قوانين أخرى، كالقانون التنظيمي للوظيفة العمومية أو مدونة المحاكم المالية، تتحدث عن التصريح الإجباري بالممتلكات، لكنها معزولة ولا تتقاطع بفعالية مع ميدان التعمير.
ومن المثير للانتباه أن بعض الموظفين الذين اشتغلوا لعقود داخل أقسام التعمير، بمجرد ما يتقاعدون، يتحولون في وقت قياسي إلى “مقاولين” أو “مطورين عقاريين”، بل أحيانا يصبحون شركاء خفيين لمكاتب دراسات أو منعشين عقاريين، وهو ما يطرح تساؤلات حول مصادر التمويل والقدرة المفاجئة على اقتحام سوق عقاري يحتاج لرؤوس أموال ضخمة. ولأن المغرب يفتقد لتشريع صارم بخصوص تضارب المصالح ومنع الانتقال المباشر من مناصب القرار إلى القطاع الخاص في نفس المجال، يبقى الباب مفتوحا على مصراعيه لهذا النوع من “التحول الوظيفي المريب”.
أما فيما يخص رجال السلطة، فالواقع أكثر تعقيدا، لأن القانون لا يعزلهم عن مساطر التعمير، بل يمنحهم أدوارا محورية في اللجان المختلطة، وفي منح الأذون بالبناء، وحتى في تنفيذ أو التغاضي عن قرارات الهدم. وهذا التداخل بين السلطة التقريرية والتنفيذية والرقابية يجعل من التعمير حقلًا خصبًا للابتزاز والتفاوض خارج القانون. وهناك حالات معروفة — ولو لم يتم الحسم فيها قضائيًا بما يكفي — لقياد وباشوات صاروا يتوفرون على عمارات أو أراضٍ محفظة بأسمائهم أو أسماء أفراد أسرهم، نتيجة “تسهيلات” قدموها خلال مسارهم الإداري، سواء بتغاضيهم عن مخالفات في البناء أو بتسريع مساطر إدارية مقابل امتيازات.
ومما يزيد من حدة الإشكال أن القانون 66.12 الذي تم تقديمه كإصلاح جذري، لم يُفلح في الحد من الظاهرة، بل زاد من تعقيد المساطر، مما خلق مساحات رمادية جديدة أصبح يُستغل فيها الغموض القانوني لطلب مزيد من “التوضيحات”، أي الرشاوى المقنعة، من طرف بعض الموظفين الذين يعتبرون الرخص سلعة يومية. كما أن هذا القانون، رغم احتوائه على إجراءات زجرية أكثر صرامة، لم يُفعّل بشكل يضمن الردع الحقيقي، لأن مآل عدد من المحاضر التي تُحرر يبقى غالبا الحفظ، إما بسبب عدم الكفاءة في التحرير، أو بسبب تدخلات سياسية أو إدارية.
رخص السكن (Permis d’habiter)، فقد أصبحت في العديد من المدن المغربية بمثابة سوق موازية تُفرض فيها أثمان خيالية بشكل غير رسمي، حيث يُطلب من المنعشين العقاريين أو الملاك مبالغ باهظة مقابل تسريع أو تسهيل الحصول على هذه الوثيقة الضرورية. هذا الوضع لا ينعكس فقط على شفافية المساطر الإدارية، بل يُترجم ميدانيًا في ارتفاع أثمنة الشقق المعروضة للبيع، إذ يسعى المطورون لتعويض ما دفعوه عبر تحميل التكلفة للمشتري النهائي، دون أن تنعكس تلك الزيادات على جودة البناء أو مستوى الخدمات. والنتيجة: مساكن باهظة الثمن، بجودة مشكوك فيها، وإحساس عام بأن التعمير أضحى رهينة لمن يدفع أكثر.
أما المواطن البسيط، أو المنعش العقاري الصغير، فهو أكثر من يدفع الثمن. إذ يجد نفسه أمام مساطر معقدة، ومطالب متزايدة، في حين يُغلق الباب أمامه إن لم يكن مستعدا لدفع “المستحقات غير المعلنة”. وهكذا، يتحول التعمير من مجال يُفترض أن يكون في خدمة التخطيط السليم وتحسين جودة العيش، إلى سوق موازية للريع، تُفرغ النصوص القانونية من مضامينها، وتضرب في العمق مبادئ الحكامة والنزاهة.
ولعل المدخل الحقيقي لمعالجة هذا الوضع يكمن في مقاربة شمولية لا تكتفي بتعديل القوانين، بل تُدمج آليات صارمة لمراقبة الثروة، وتفرض التصريح بالممتلكات وربطها بمسار الموظف، وتعزيز الشفافية الرقمية في كل مسارات التعمير من طلب الرخصة إلى إصدارها. كما ينبغي منع تولي المناصب الحساسة في قطاع التعمير لمن سبق أن راكموا تجارب طويلة في هذا الميدان إلا بعد فترة “عزل وظيفي” تمنع استغلال المعطيات المكتسبة، فضلا عن سن قانون صارم لتضارب المصالح والاغتناء غير المشروع، مع إحداث نيابات عامة مختصة في جرائم التعمير والفساد الإداري، تتوفر على صلاحيات واسعة للتحقيق والمساءلة.
إن المواطن المغربي، الذي يلاحظ التحولات المالية والاجتماعية لموظفين كانوا بالأمس القريب يعيشون حياة متواضعة، ويشاهدهم اليوم يقودون سيارات فارهة ويسكنون فيلات في أحياء راقية، دون أن يمروا من أبواب الحظ أو الإرث، له كل الحق في أن يطرح السؤال الأخلاقي والقانوني: من أين لكم هذا؟ والسؤال الأهم: لماذا لا يُجاب عنه حتى الآن؟





https://shorturl.fm/bODKa