
محمد صابر
في عالم السياسة الدولية، لا تُدار المصالح دائمًا بالشعارات الرنانة، حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل كثيرًا ما تُحركها لغة أخرى، أكثر براغماتية وقسوة، عنوانها النفط والمعادن والثروات الطبيعية والمواقع الاستراتيجية. ومنذ عودة الرئيس الأمريكي دولاند ترامب إلى واجهة القرار في واشنطن، عاد النقاش بقوة حول طبيعة العلاقة التي تربط الولايات المتحدة بالدول الغنية بمواردها الطبيعية، خصوصًا تلك التي تعيش أزمات اقتصادية أو سياسية، تجعلها أكثر عرضة للضغوط الخارجية.
ولعل ما يجري في كولومبيا يقدم نموذجًا مثيرًا للتأمل، ليس لأن كولومبيا دولة فقيرة أو هامشية، بل لأنها واحدة من البلدان التي تختزن ثروات طبيعية هائلة، تشمل النفط والفحم والذهب والنيكل والنحاس، فضلًا عن موقع جغرافي استراتيجي، يجعلها لاعبًا مهمًا في معادلات النفوذ داخل أمريكا اللاتينية.
غير أن المفارقة الكبرى، تكمن في أن الدول الغنية بالثروات، ليست دائمًا الأغنى في واقعها الاجتماعي، بل إن الكثير منها يجد نفسه محاصرًا بمفارقة مؤلمة؛ أرض تفيض بالخيرات، وشعوب تبحث عن فرص الشغل والخدمات الأساسية. وهنا يبدأ الصراع الحقيقي، بين من يرى أن الثروة الوطنية، يجب أن تبقى ملكًا للأجيال القادمة، ومن يعتبرها مجرد ورقة في لعبة المصالح الدولية الكبرى.
لقد اعتاد الرأي العام العالمي، على صورة “علي بابا والأربعين لصًا” باعتبارها حكاية تراثية عن كنوز، تُنهب في الخفاء، لكن السياسة الحديثة، تبدو أحيانًا أكثر تعقيدًا. فبدل اللصوص الذين يتسللون ليلًا إلى المغارات، تظهر اليوم شبكات نفوذ اقتصادية وسياسية وإعلامية، قادرة على الوصول إلى الثروات بربطات عنق أنيقة، واتفاقيات، تبدو قانونية ومشروعة على الورق.
في هذا السياق، يرى كثير من المراقبين، أن إدارة ترامب تنظر إلى العالم، بمنطق الصفقات أكثر من منطق التحالفات التقليدية. فالرجل الذي جاء من عالم الأعمال، لم يُخف يومًا اقتناعه، بأن العلاقات الدولية، ينبغي أن تحقق مكاسب ملموسة للولايات المتحدة أولًا، حتى وإن أدى ذلك، إلى إعادة رسم التحالفات أو ممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية على شركاء تاريخيين.
وبالنسبة للدول الغنية بالموارد الطبيعية، فإن هذا المنطق يثير مخاوف متزايدة من أن تتحول الحكومات المحلية، إلى مجرد وسطاء بين الثروة الوطنية والشركات العملاقة العابرة للقارات. وهنا يظهر ما يمكن تسميته مجازًا بـ”نائب علي بابا”، أي ذلك الفاعل السياسي أو الاقتصادي الذي لا يسرق الثروة بنفسه، بل يهيئ الظروف، لكي تنتقل تدريجيًا من ملكية الشعوب، إلى دوائر “الشفارة” من أصحاب النفوذ والمال.
كولومبيا تقدم صورة معبرة عن هذا الجدل. فالبلاد التي عاشت لعقود طويلة، على وقع الصراعات الداخلية والعنف المرتبط بالمخدرات والجماعات المسلحة، وجدت نفسها في السنوات الأخيرة، أمام تحديات جديدة مرتبطة بكيفية استثمار مواردها الطبيعية. وبينما يطالب جزء من المجتمع الكولومبي، بحماية الثروات الوطنية، وضمان استفادة المواطنين منها، تدفع أطراف أخرى، نحو مزيد من “الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية” باعتبارها، الطريق الأسرع للتقرب من أبطال أفلام رعاة البقر.
لكن السؤال الذي يظل مطروحًا بإلحاح هو: من المستفيد الحقيقي من هذه الثروات؟
هل هي الدولة التي تمتلك الأرض؟
أم الشركات التي تمتلك التكنولوجيا ورؤوس الأموال؟
أم القوى الدولية التي تعرف كيف تحول الأزمات إلى فرص استثمارية؟
التاريخ الحديث، يقدم أمثلة كثيرة تجعل هذا السؤال مشروعًا. فمن إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية مرورًا ببعض مناطق آسيا، نجد دولًا تسبح فوق بحيرات من النفط أو مناجم الذهب، أو احتياطات المعادن النادرة، لكنها لا تزال تواجه تحديات الفقر والبطالة والهشاشة الاجتماعية. وكأن الثروة، تتحول أحيانًا إلى لعنة بدل أن تكون نعمة.
المفارقة أن المنافسة العالمية على الموارد، لم تعد تقتصر على النفط فقط. فالعالم يدخل اليوم عصرًا جديدًا عنوانه المعادن الاستراتيجية الضرورية لصناعة السيارات الكهربائية والبطاريات. ولهذا أصبحت الدول الغنية بالنحاس والليثيوم والكوبالت والنيكل، محط أنظار القوى الكبرى، التي تسعى إلى تأمين احتياجاتها المستقبلية بأي وسيلة ممكنة.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح السيادة الاقتصادية أكثر أهمية من السيادة السياسية نفسها. فالدولة التي تفقد السيطرة على مواردها الطبيعية، قد تكتشف بعد سنوات أنها لا تملك سوى الأعلام والنشيد الوطني، بينما تتحكم أطراف أخرى في مفاتيح اقتصادها ومستقبل أجيالها.
لذلك فإن القضية لا تتعلق بترامب وحده، ولا بكولومبيا وحدها، بل بمنظومة عالمية كاملة، تُعيد رسم خرائط النفوذ على أساس ما تختزنه الأرض من ثروات. وكلما ازدادت قيمة هذه الموارد، ازداد عدد الطامعين فيها، سواء ظهروا في صورة مستثمرين أو مستشارين أو حلفاء أو حتى منقذين.
وفي النهاية، تبقى الحكمة نفسها صالحة لكل زمان: ليست المشكلة في وجود الكنز، بل فيمن يملك مفتاحه. فالدول التي تنجح في حماية ثرواتها، وتحويلها إلى تنمية حقيقية لشعوبها هي التي تكتب مستقبلها بيدها، أما تلك التي تسلم مفاتيح كنوزها للآخرين، فقد تستيقظ يومًا، لتكتشف أن “المغارة” ما زالت في مكانها، لكن الذهب اختفى منذ زمن بعيد.




