تزنيت.. حين استيقظ حي القدس على نارٍ تلتهم أرزاق التجار

ضربة قلم
لم يكن الفجر في حي القدس بمدينة تزنيت، يشبه أي فجر آخر.
فبدل أن تستيقظ المدينة على حركة الناس وأصوات أصحاب المحلات، وهم يفتحون أبواب أرزاقهم، استيقظ المكان على ألسنة نار ارتفعت عالياً، ودخان كثيف أعلن أن شيئاً ما يحدث في الداخل، وأن ساعات قليلة، كانت كافية لتحويل محلات تجارية إلى مشهد من الرماد والسواد.
حريق مهول اندلع خلال الساعات الأولى من صباح الجمعة، داخل المركب التجاري القدس، قبل أن تتحول النيران إلى ضيف ثقيل لا يعرف المجاملة، فتتنقل بين عدد من المحلات وتلتهم ما وجدته أمامها من سلع وتجهيزات، في مشهد خلّف خسائر مادية كبيرة وأصاب التجار في أرزاقهم ومصدر عيشهم.
وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون الخسارة مجرد رفوف احترقت أو أبواب سودتها النيران.
وراء كل محل قصة صاحب جمع رأس ماله بصعوبة، وتاجر ظل سنوات يكد من أجل أن يحافظ على تجارته، وأسرة تنتظر من ذلك المحل ما يسد حاجاتها. ولذلك، فإن رؤية البضاعة، وهي تتحول أمام أعين أصحابها إلى رماد، ليست مشهداً عادياً، حتى لو انتهى الحريق في النهاية.
وتشير المعطيات الأولية إلى أن عدد المحلات المتضررة كبير، وسط حديث عن عشرات المحلات، فيما امتدت النيران داخل فضاءات تضم سلعاً ومواد ساهمت في سرعة انتشارها، خصوصاً الملابس والأنسجة وغيرها من المواد القابلة للاشتعال.
وبينما كانت ألسنة اللهب تفعل فعلها، تحركت عناصر الوقاية المدنية والسلطات والمصالح الأمنية لمحاصرة الحريق، في سباق مع الزمن لمنع النيران من الوصول إلى محلات وأجزاء أخرى من المركب والمباني المجاورة.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، كان هناك سباق مختلف تماماً…
سباق التجار لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
يد تحمل صندوقاً، وأخرى تسحب بضاعة، وثالثة تبحث بين الدخان عن شيء يمكن إخراجه قبل أن تلتهمه النار. لحظات تختلط فيها الفوضى بالخوف، ويصبح إنقاذ قميص أو جهاز أو صندوق من البضاعة، أشبه بمحاولة انتزاع جزء من سنوات العمل من بين فكي الحريق.
ولحسن الحظ، لم تسجل، وفق المعطيات المتوفرة، خسائر في الأرواح، لكن حجم الخسائر المادية، يطرح أسئلة ثقيلة بالنسبة إلى التجار المتضررين، خصوصاً أن إعادة بناء محل، يمكن أن تكون ممكنة، أما إعادة بناء سنوات من العمل ورأس المال، فذلك يحتاج إلى الكثير من الوقت والقدرة.
أما السؤال الذي ينتظر جوابه، فهو: كيف اندلع الحريق؟
هنا ينبغي التوقف عند حدود المؤكد.
فالحديث عن تماس كهربائي أو غيره لا ينبغي أن يتحول إلى حقيقة قبل أن تنتهي الجهات المختصة من معايناتها وأبحاثها. السبب الحقيقي للحريق، يبقى رهيناً بما ستكشف عنه التحقيقات والخبرة، وليس بما يتناقله الناس في الساعات الأولى للحوادث.
لكن الحريق، في المقابل، أعاد إلى الواجهة سؤالاً أكبر من مصدر الشرارة الأولى:
هل الأسواق والمركبات التجارية مهيأة فعلاً لمواجهة حريق بهذا الحجم؟
فالحريق لا يختبر فقط قدرة رجال الإطفاء على الوصول إلى مكان النيران، وإنما يختبر أيضاً شروط السلامة، ووسائل الوقاية، ومسالك التدخل، ووجود تجهيزات الإنذار والإخماد، ومدى احترام الإجراءات التي يفترض أن تحمي أرواح الناس وأرزاقهم قبل وقوع الكارثة، لا بعد أن تتحول إلى خبر تتداوله المواقع والصفحات.
واليوم، سيعود التجار إلى المكان الذي كان بالأمس، محلات وأرزاقاً وحركة تجارية.
لكن بعضهم، قد لا يجد سوى جدران سوداء وبقايا سلع احترقت، وأسئلة كثيرة، لا يمكن أن يجيب عنها الرماد.
تزنيت لم تستيقظ اليوم على حريق فقط…
استيقظت على تذكير قاسٍ بأن ثواني قليلة من النار قادرة على محو سنوات طويلة من العمل.
ويبقى الأمل ألا يكون الدرس هو انتظار الحريق المقبل، حتى نبدأ من جديد في طرح الأسئلة نفسها: أين كانت وسائل الوقاية؟ هل كانت شروط السلامة كافية؟ وهل كان بالإمكان الحد من حجم الخسائر؟
فالحريق ينتهي، عندما تنطفئ النيران…
أما آثار الحريق، فقد تبقى طويلاً، في حياة الذين احترقت تجارتهم معه.




