تزنيت خارج التغطية: حين تتحول “أورنج” من شبكة اتصال إلى مسلسل كوميدي طويل

ضربة قلم
في تزنيت، لا تحتاج إلى نتفليكس لتضحك… يكفي أن تمسك هاتفك مع شريحة “أورنج” وتحاول إجراء مكالمة. ستجد نفسك في أضحوكة جماعية عنوانها: “الريزو عطى التساع”. ناس المدينة والدواوير المجاورة صار عندهم طقوس يومية: يطلعون للسطح، يديروا حركة الهوائي البشري، يمدّوا اليدين للسماء ويقولوا: “يا رب بارّتين فقط… باش نبعث فويس نوت!”
باقة الضحك غير المحدود
“أورنج” – حسب رواية السكان – تبيع لك “خدمات”، لكن الخدمة هي اللي ما عمرها شافَتْكَ. تعطيك عروضًا لامعة بالألوان، دقائق غير محدودة، إنترنت “فائق السرعة”… ثم تكتشف أن السرعة الفائقة المقصودة هي سرعة اختفاء الشبكة. الدقيقة المجانية الوحيدة هي الدقيقة اللي كتضيعها كتقلب على بار واحد في الركن البعيد الهادئ قرب نافذة المطبخ.
مدارس “الريزولوجيا”
تزنيت أسست مدرسة جديدة في علوم العصر: الريزولوجيا. تخصصات متعددة:
هندسة السطوح: كيف تختار أعلى بلاصة فالسطيحة بلا ما يطيح لك الساندي.
فيزياء البارات: لماذا يطلع باران وينزلان حين تدير خطوة للوراء؟
كيمياء الريزو: كيف يمتزج الخط بمكالمة وينتج “آلو… آلو… واش كتسمعني؟ آلووو” قبل الانقطاع.
الطلبة الممتازون هم اللي عارفين “نقطة ذهبية” فكل دار: في الطوار، جنب الثلاجة، أو بين شجرتيْ ليمون. هناك فقط تحصل على لحظة صفاء: رسالة واتساب تغادر، ودعاء الأم يصل… أحيانًا.
خدمة الزبناء… إلى أن يثبت العكس
يقول الناس إنك إذا اتصلت بخدمة الزبناء، تبدأ رحلة الحج الرقمي: موسيقى مصعد، بعدها صوت لطيف يقول لك “نعتذر عن الإزعاج” وكأن الإزعاج مجرد بكاء طفل في الحافلة، ثم يطلبون منك “تسطّيني التيليفون”، “بدّل الشريحة”، “بدّل البلاصة”… وفي النهاية: بدّل الصبر بالصبر الأطول. الحلول الجاهزة كثيرة، والشبكة القريبة قليلة.
الاقتصاد المحلي تحت رحمة “لا توجد تغطية”
الحرفي اللي كيعتمد على مكالمات الزبناء، كيبقى خارج التغطية وهو داخل للديون.
التاجر كيتسنى تحويلًا ما كيوصلش، فيتحول الزبون إلى مجرد “تمنا” ضاعت.
الطالب كيتابع “تعليم عن بعد”… بعيد لدرجة أن الدروس تمر وهو لا يمر.
العائلة كتحاول تطمّن على ولدها فالغربة؛ المكالمة تبدأ بدعاء وتنتهي بلعنة على الشبكة.
عروض على الورق… وانقطاع على الواقع
“جيل جديد من الشبكات”؟ ربما في الملصقات. في الميدان، الجيل الوحيد المنتشر هو جيل الهواتف القديمة اللي كتحنّ للمكالمات الصوتية الصافية. أما “4G” فهي أربع جمل:
“آلو؟ كتسمعني؟ سيري للسقف! تسنّى شوية…” ثم الصمت الرهيب.
طقوس المطاردة اليومية
الفجر: “غارة الستوري” قبل ما يفيق الحي ويخنق الشبكة.
الظهر: “هروب نحو الظل” بحثًا عن بار ضائع بين حرارة الشمس وحرارة الأعصاب.
الليل: “جلسة جماعية فالسطيحة”: كل واحد شوهة مرفوعة، كيلقط هواء… ويمكن يلقط شبكة.
فواتير بكامل قواها المالية
الأجمل؟ الفاتورة دائما في أفضل حالاتها الصحية: تصل في وقتها، بأرقام واضحة، وابتسامة عريضة على التطبيق. الشبكة مريضة، لكن المحاسبة ريّاضة: جري جري حتى تسدد وأنت لا تعرف عمّن تسدد بالضبط: خدمة؟ أم أملًا مؤجلًا؟
ما بعد السخرية: خطوات جدّية بدون وجع رأس
لأنه مهما كان الضحك مرًّا، الحلول لازم تبقى واقعية وهادئة.
توثيق الأعطال: سكّان تزنيت يوحدوا مجهودهم: تسجيل أوقات الانقطاع، أماكن ضعف التغطية، ونوع المشكل (مكالمات/إنترنت). التوثيق الجماعي يعطي وزنًا لأي شكاية.
شكايات جماعية ومنظمة: تقديم شكاوى رسمية للشركة نفسها (برقم تتبع)، ومعاودة التقديم لدى الجهة التنظيمية للاتصالات في المغرب (المعروفة لدى الجميع)، مرفوقة بأدلة: لقطات شاشة، خرائط نقاط الضعف، وتواريخ.
مبدأ “لا خدمة = لا سكون”: المطالبة بربط الفاتورة بالجودة الفعلية للخدمة في المنطقة، مع طلب تعويضات عن الانقطاعات الكبيرة أو رد جزئي للرسوم عند تعذر الاستفادة.
التنسيق مع المنتخبين المحليين: الموضوع ليس “شكوى أفراد” فقط؛ هو بنية تحتية تمس اقتصاد المدينة وسمعتها. جلسة استماع علنية تُحرج أي تقصير وتجعل المتعهد يحدد جدولًا واضحًا لتحسين التغطية.
حلول انتقالية بسيطة:
موزّعات واي فاي مجتمعية في الأحياء (عبر ألياف/مزود بديل إن أمكن) لتخفيف الضغط.
تثبيت مكرّرات إشارة مرخّصة في المحلات الكبيرة والمراكز المزدحمة.
تشجيع العقود بدون التزام طويل إلى حين تحسّن معقول، حتى ما يبقاش المواطن رهينة.
شفافية محلية: لوحة متابعة شهرية – حتى لو كانت فيسبوكية – تبين: الأحياء التي تحسنت، التي ما زالت تعاني، ووعود المتعهد وما تحقق منها.
كلمة للمتعهد (على ناصية السخرية)
يا “أورنج”: الناس فتزنيت ما باغينش صاروخ للمريخ؛ باغين يسمعوا “آلو” من غير ما يطلعوا للسقف. عندكم زبناء يؤدّون بانتظام، فكونوا في مستوى البار… بار واحد ثابت خير من خمسة يتراقصون. أعطوا المدينة حقها من الهوائيات، خططوا بجدول واضح، وتكلموا بصراحة: شنو كاين، فين المشكل، وفوقاش التحسين.
الخلاصة: الشبكة أخلاق قبل أن تكون أبراجًا
المدن تُحترم حين تُسمع أصوات سكانها. تزنيت اليوم تقول – بنكتة مرة – إن الاتصال صار فنًا أدائيًا. حان الوقت لكي تعود الخدمة خدمة، والزبون زبونًا، وليس ممثلًا في مسرحية “البحث عن بار”. إلى ذلك الحين، احتفظوا بابتسامتكم… فهي آخر ما يبقى خداما حين تنطفئ كل الأشرطة في أعلى الشاشة.




