الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

تسرق الملايير باسم السكن.. تدخل للحبس ‘VIP’ وتخرج حاجًّا محترما والضحايا مازالوا في الكراء!

ضربة قلم

في المغرب، لم يعد السؤال الذي يطرحه الناس هو: “هل تمت معاقبة المتورطين؟”، بل صار السؤال الأكثر مرارة: “هل بقي شيء أصلا لم تتم سرقته؟”.

فكلما انفجرت فضيحة جديدة مرتبطة بالمال العام، أو بودادية سكنية أو تعاونية تحولت إلى مقبرة لأحلام البسطاء، اكتشف المغاربة أن هناك من أتقن لعبة خطيرة: جمع الملايين باسم الثقة، ثم الاختفاء داخل متاهة المساطر والتأجيلات، وبعدها العودة إلى المجتمع بوجه “الحاج المحترم” الذي يوزع الابتسامات والمواعظ، وكأن شيئا لم يكن.

في هذا البلد، هناك مواطن يشتغل ثلاثين سنة، ليحصل على شقة متواضعة، وهناك من يستطيع في سنوات قليلة أن يجمع “ملايير” من عرق الناس ودموعهم، ثم حين يسقط، يسقط واقفا.
يدخل إلى السجن سنوات معدودة، غالبا وسط حديث لا ينتهي عن ظروف الاعتقال “المريحة” مقارنة بجحيم الذين خسروا أموالهم وأعصابهم وأعمارهم، ثم يخرج بعدها ليكتشف الجميع أن الأملاك لم تختف، بل فقط غيرت أسماءها… مرة باسم قريب، ومرة باسم زوجة، ومرة باسم شركة، ومرة باسم شخص، لا يعرف حتى كيف أصبح مالكا لعقارات وسيارات وحسابات بنكية.

الأدهى من ذلك، أن بعض المتورطين في ملفات ثقيلة، يعودون إلى المجتمع بلباس الورع المفاجئ، يؤدون مناسك الحج أو العمرة، وتتحول صورتهم فجأة من “متهم” إلى “حاج”، وكأن الرحلة إلى مكة، أصبحت عند البعض آلة لغسل السمعة، لا تطهيرا للذمة.
فيصبح المواطن البسيط أمام مشهد عبثي:
الضحايا ما زالوا يؤدون أقساط القروض، بينما من التهمت مشاريعهم أحلام الناس، يعود بلقب اجتماعي جديد يفرض الاحترام، ويجلس في الصفوف الأمامية داخل الأعراس والمناسبات، وربما يلقي دروسا في الأخلاق أيضا.

المشكل الحقيقي ليس فقط في شخص يسرق أو يختلس، لأن كل المجتمعات فيها لصوص ومحتالون، بل في الإحساس الخطير الذي يتسرب إلى الناس، حين يعتقدون أن الجريمة المالية، قد تتحول إلى “استثمار مربح”.
تسرق كثيرا، فإن سقطت ستقضي سنوات محدودة، وإن خرجت ستجد الثروة في انتظارك بأسماء أخرى، أما الضحايا، فسيواصلون الركض بين المحاكم والمفوضين القضائيين والبنوك والكراء والأعصاب المنهكة.

لهذا أصبحت ملفات التعاونيات والوداديات السكنية، جرحا اجتماعيا حقيقيا في المغرب، لأنها لا تتعلق فقط بالإسمنت والحديد، بل بأحلام بشر.
هناك من باع ذهب زوجته، ومن اقترض من البنك، ومن عاش سنوات في الكراء، وهو ينتظر شقة قيل له إنها “قريبة”، قبل أن يكتشف أن المشروع صار ملفا قضائيا، وأن الوعود تحولت إلى محاضر، وأن السنوات ضاعت بين “تأخير الملف لإعداد الدفاع” و”استدعاء باقي الأطراف”.

الناس لا تطلب المعجزات، بل فقط أن تشعر بأن القانون حين يضرب، يضرب فعلا.
أن تكون العقوبة مؤلمة، بما يكفي لتخيف كل من يفكر في تحويل عرق المواطنين، إلى حسابات سرية وعقارات مخفية.
وأن لا يتحول المال المنهوب إلى ثروة آمنة، تنتظر صاحبها بعد نهاية العقوبة، لأن أخطر رسالة يمكن أن يتلقاها المجتمع هي أن السرقة الكبرى قد تكون، في النهاية، أقل كلفة من الفقر نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.