مجتمع

تشريد بقوّة القانون: حين يتحوّل الإفراغ إلى عقوبة بلا جريمة!

ضربة قلم

في مغرب تتشابك فيه العدالة مع المآسي الاجتماعية، صار “الإفراغ” كلمةً تُرعب الأسر أكثر من أي حكم قضائي آخر. هي الكلمة التي تعني باختصار: اخرج الآن… حتى وإن لم يكن لديك أين تذهب!
ليست حرباً بين المالك والمكتري فقط، بل مواجهة بين النص والرحمة، بين الفصل القانوني والواقع الإنساني، بين حق الملكية وحق الحياة.

كل صباح، تُنفَّذ أوامر الإفراغ في المدن المغربية، كما تُنفَّذ العمليات الجراحية: بدقة، وبلا ألمٍ على الورق، لكن بدموعٍ غزيرة في الواقع.
عائلات كاملة تُلقى في الشارع، أطفال يتيهون بين الأثاث المكدس أمام الأبواب، وأمهات يراقبن بيوتاً قضين فيها أعماراً وهي تُغلق إلى الأبد… باسم القانون.

القانون، كما تنص فصوله في ظهير الالتزامات والعقود، يعطي للمالك الحق في استرجاع عقاره عند انتهاء العقد أو عند الإخلال بالواجبات، وفق المادة 70، وما يليها من قانون الكراء. لكن هذا النص، رغم وجاهته القانونية، يبقى أحياناً قاسياً كحد السيف حين يُطبَّق على أسر لا تملك بديلاً ولا مسكناً آخر.

الإفراغ في المغرب لم يعد مسألة ملكية فقط، بل أصبح ظاهرة اجتماعية تمسّ الاستقرار الأسري. خلف كل أمر قضائي، قصة إنسانية: عامل بسيط لم يعد قادراً على دفع الكراء بعد فقدان عمله، أرملة تُكافح لتطعم أبناءها، متقاعد يعيش من معاش هزيل، وشباب لم يجدوا شقة إلا بعقد وُقّع على عجل دون ضمانات.

ورغم ما تنص عليه بعض المقتضيات من مهلة للمغادرة أو من حقّ التعويض، فإن التنفيذ في الميدان، غالباً ما يتمّ بلا مراعاة للظروف الإنسانية. رجال السلطة، المفوض القضائي، الشاحنة، الأثاث الملقى… مشهد واحد يتكرر في كل حي شعبي، يعلن عن مأساة جديدة تُضاف إلى سجل الفقر والهشاشة.

الفصول القانونية جامدة، لكن الواقع مرّ.
الفصل 23 من قانون الكراء مثلاً، يمنح المالك حق استرجاع الملك مقابل إشعار بسيط، والفصل 32 يسمح بالإفراغ عند الامتناع عن الأداء. لكن ماذا عن الفصل غير المكتوب في ضمائرنا؟ أين البند الذي يحمي الأطفال من المبيت في الشارع؟

في دولة تسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية، يجب ألا يُختزل السكن في ورقة وعقد، بل في كرامة. فحق السكن ليس منّة، بل ضمانة ضد الانهيار الإنساني. لا أحد يعترض على حقوق الملاك، لكن حين يتعارض الحق مع الرحمة، يجب أن نعيد النظر في النص.

كم من قاضٍ تمنى لو أوقف التنفيذ، لكنه مُقيد بالقانون، وكم من قائدٍ رأى الأطفال يبكون ولم يملك سوى أن يقول: “أنا أنفذ الأوامر”.
القانون في هذه اللحظة يصبح مثل آلة بلا قلب، تدور بلا توقف، تسحق الأضعف باسم العدالة.

ربما آن الأوان لإصلاح تشريعي يوازن بين الطرفين، يمنح المالك حقه دون أن يحوّل المكتري إلى ضحية.
آلية دعم مؤقتة، أو صندوق خاص بالأسر المهددة بالإفراغ، أو تدخل إنساني قبل أن تُنفّذ الأحكام… كلها حلول ممكنة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية تتجاوز النصوص إلى الضمائر.

فالإفراغ، حين يُنفَّذ دون بديل، لا يُنتج العدالة، بل يُنتج التشريد.
والمجتمع الذي يقبل أن يرى أفرشة الناس على الأرصفة دون أن يتحرك، يفرغ نفسه هو الآخر من إنسانيته قبل أن يُفرغ بيوته من سكانها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.