
ضربة قلم
في موسم فلاحي استثنائي، أعلن المغرب عن تحقيق رقم قياسي في تصدير التوت الطازج، إذ تجاوزت الكميات المصدَّرة 64 ألف طن، بقيمة قاربت 487 مليون دولار. خبر يُقدَّم على أنه نجاح باهر للفلاحة المغربية و”دليل على تنافسية المملكة في السوق العالمية”. لكن وسط هذه الأرقام المليارية، يظل السؤال الذي يطرحه المواطن المغربي البسيط بمرارة: لماذا نبيع الفاكهة بالدولار بينما نشتري الحليب بالدموع؟
حكاية التوت المغربي
التوت المغربي صار ضيفًا دائمًا على موائد الأوروبيين، حيث يُعتبر “فاكهة فاخرة” في أسواق باريس ولندن ومدريد. المستهلك الأوروبي يشتري علبة صغيرة من التوت المغربي بما يقارب 4 يوروهات، أي ما يعادل نصف ما قد تصرفه أسرة مغربية متوسطة في يوم كامل على الخضر.
بينما في المغرب، حيث تُزرع هذه الفاكهة، تبقى نادرة في الأسواق، غالية الثمن، ومحرومة منها أغلب الأسر. وكأن لسان حال الفلاح المغربي يقول: “الفاكهة للمستورد، والفتات للمستهلك المحلي”.
العملة الصعبة… والجيب الفارغ
الحكومة تفتخر بأن صادرات التوت تضخ ملايين الدولارات في خزينة البلاد، باعتبارها مصدرًا مهمًا للعملة الصعبة. لكن ما لا يفهمه المواطن هو:
-
إذا كنا نربح كل هذه الدولارات، فلماذا لا تنخفض أسعار الحليب والخبز والزيت؟
-
لماذا تظل القدرة الشرائية متدهورة بينما البنوك وشركات التصدير تزداد ثراء؟
-
أين يتبخر هذا “الانتعاش” قبل أن يصل إلى موائد الأسر المغربية؟
الحليب… سلعة “ترف” في بلد فلاحي
المفارقة الموجعة أن المغرب، وهو بلد فلاحي بامتياز، يجد صعوبة في ضمان استقرار أسعار الحليب، حتى صارت قنينة الحليب عبئًا يوميًا على جيوب الأسر، بل وأحيانًا سلعة نادرة في بعض المناطق.
فالمغربي قد يزرع التوت لأوروبا، ويشاهد شاحنات التصدير تمر أمام بيته، لكنه في الوقت نفسه يضطر لشراء الحليب بثمن مرتفع أو يبحث عنه في المتاجر وكأنه سلعة فاخرة.
لعنة “الفلاحة التصديرية”
هذا الوضع ليس صدفة. إنه انعكاس لاختيارات اقتصادية قديمة:
-
تفضيل الزراعة التصديرية (التوت، الطماطم، البطيخ…) بدلًا من دعم الزراعة الغذائية الموجهة للمواطن.
-
جعل الأرض والماء في خدمة الأسواق الخارجية، حتى لو عطش الداخل وجاع.
-
النظر إلى الفلاح الصغير كمجرد يد عاملة رخيصة، بينما الأرباح الكبرى تذهب لشركات كبرى ولوبيات تتحكم في التوزيع والتصدير.
المفارقة الساخرة
-
نصدر التوت ليُقدَّم مع الشامبانيا في مطاعم باريس، لكن في الدار البيضاء والرباط يشتكي المواطن من غلاء الحليب والخبز.
-
نتغنى بالعملة الصعبة التي تدخل من بوابة الموانئ، لكننا نخرج دموعًا صعبة من جيوب الأسر مع كل فاتورة وكل زيارة للسوق.
ما الحل؟
-
تنويع السياسة الفلاحية: لا يكفي أن نصدّر التوت والطماطم، بل يجب الاستثمار بجدية في إنتاج الحبوب، الأعلاف، والحليب.
-
ربط التصدير بالمسؤولية الاجتماعية: على الشركات الكبرى أن تساهم في دعم الاستهلاك الداخلي بدل ترك المواطن يواجه السوق وحده.
-
إرادة سياسية حقيقية: تعطي الأولوية لأمننا الغذائي قبل البحث عن إرضاء السوق الأوروبية.
كلمة أخيرة
التوت المغربي قد يكون فخرًا اقتصاديًا في عيون المستثمرين، لكنه في عيون المواطن العادي مجرد دليل إضافي على المفارقة الكبرى: نزرع ونجني، لكن لا نأكل.
ولذلك يظل السؤال قائمًا، بإحساس عميق بالسخرية والمرارة:
إلى متى سنبيع الفاكهة بالدولار ونشتري الحليب بالدموع؟




