تصدّعات في بيت الأحرار: تجريدات متتالية تكشف أزمة الانضباط الحزبي

ضربة قلم
لا يزال حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة المغربية، يعيش على وقع تصدّعات داخلية متزايدة، تعكسها قرارات متلاحقة صادرة عن المحاكم الإدارية، تُجرد أعضاء منتخبين من عضويتهم داخل المجالس الجماعية، بناءً على شكاوى رفعها الحزب نفسه ضد منتمين إليه. هذه التطورات، التي تتوالى بوتيرة لافتة، تطرح تساؤلات عميقة حول حدود الانضباط الحزبي، ومدى قدرة التنظيم على استيعاب التعددية الداخلية في المواقف والتقديرات، بدل الدفع بخلافاته إلى ساحات القضاء.
فقد قضت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، يوم الأربعاء 18 يونيو 2025، بتجريد المستشارتين الجماعتين “سهام الزيتوني” و”رابحة المعروف” من عضويتهما بمجلس جماعة واويزغت بإقليم أزيلال، وذلك استجابة لدعوى رفعها حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي انتُخبتا باسمه، متهمًا إياهما بخرق القانون الداخلي للحزب. ويتعلق الأمر، بحسب منطوق الدعوى، بتصويتهما ضد مشروع ميزانية سنة 2024، وتوقيعهما على ملتمس يطالب باستقالة رئيس المجلس المنتمي للحزب ذاته، بالإضافة إلى تأييد إحالة ملف عزله على القضاء، قبل أن تصوّتا مرة أخرى ضد مشروع ميزانية سنة 2025. وهي خطوات فسّرها الحزب على أنها خروج عن خطه السياسي، وإخلال بالانتماء الحزبي يستوجب اللجوء إلى القضاء.
ويُشار إلى أن هذا القرار لم يكن معزولًا، بل جاء بعد أسبوع فقط من حكم مماثل أصدرته المحكمة ذاتها في 11 يونيو الجاري، قضى بتجريد المستشار “عبد الرحمان شورفي” من عضوية المجلس ذاته، بناء على دعوى مماثلة رفعها الحزب ضده بتهمة “مخالفة التوجيهات”. وقد استندت جميع هذه الدعاوى إلى مقتضيات القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، وإلى مواد من القانون التنظيمي للجماعات الترابية، تسمح بتجريد العضو من مهامه في حال ثبوت الإخلال الجسيم بالانتماء السياسي.
وتبقى هذه الخطوة مثار تساؤل حول خلفياتها الحقيقية وأبعادها، في ظل غموض دوافعها وسياقها التنظيمي، ما يجعلها أشبه بحالة تمرد داخلي لا تزال قراءتها الدقيقة مؤجلة، خاصة وأنها لا تنفصل عن سياق أوسع من التوتر داخل عدد من الفروع المحلية للحزب. فالمصادر تتحدث عن إمكانية اتساع دائرة العزل لتشمل منتخبين آخرين، وُجِّهت إليهم اتهامات مشابهة تتعلق برفض الانضباط لتوجيهات القيادة.
هذا الوضع يفتح الباب أمام نقاش أكثر عمقًا حول طبيعة الممارسة الحزبية في المغرب، وحدود حرية الرأي داخل الهيئات المنتخبة، ومدى مشروعية الاحتكام إلى القضاء لتصفية حسابات سياسية داخل التنظيم الواحد. ففي الوقت الذي يؤكد فيه الحزب أن ما وقع يدخل في إطار صيانة الانضباط واحترام الشرعية التنظيمية، يرى متتبعون أن اللجوء المفرط إلى المحاكم قد يُفرغ العمل التمثيلي من محتواه الديمقراطي، ويحوّله إلى مجرد تنفيذ تلقائي لتوجيهات فوقية، حتى في القضايا ذات الطابع المحلي والظرفي.
وبينما يُشدد الحزب على ضرورة فرض احترام القانون الداخلي، يرى آخرون أن ما يحدث هو انعكاس لأزمة ثقة بين المركز والفروع، وتعبير عن احتقان داخلي بدأ يطفو على السطح، خصوصًا في ظل قرارات العزل المتتابعة، والتي قد تترك أثرًا بالغًا على صورة الحزب وتماسكه قبيل الاستحقاقات المقبلة.




