تطوان… من وعود التغيير إلى سلسلة الانهيارات السياسية: المدينة الشفافة التي كشفت ضعف منظومتها

ضربة قلم
في قلب الشمال المغربي، تواصل مدينة تطوان رحلة مثيرة للدهشة والصخب، في الساحة السياسية المحلية، ولكن للأسف ،ليس بما يعزز الثقة، أو يعكس نضجًا مؤسسياً، بل من خلال سلسلة من الفضائح، التي كشفت هشاشة المنظومة الانتخابية والجماعية، وأثبتت أن الكثير من الوجوه التي راهن عليها المواطنون، لم تكن تلك الأسماء المنتظرة للقيادة الرشيدة.
لم يعد غريبًا أن يتردد اسم تطوان في الأروقة السياسية، كمدينة شفافة بقدر ما كشفت بسرعة سقوط عدد كبير من أسمائها خلال الولاية الحالية للجماعة. وفي سياق نفس الاستحقاق، أطلّت على المشهد، قضايا جانبية، تنمّ عن سوء تقدير وقرارات متسرعة، وأخرى تورط فيها من كانوا يدّعون الوطنية والسياسة النزيهة، لكنهم لم يلبثوا، أن خرجوا عليها بأفعال تهز الثقة وتربك الحسابات.
الزلزال الجديد: عزل مستشارين وفضيحة مدوية
في خطوة غير متوقعة، باشرت عمالة إقليم تطوان يوم أمس الثلاثاء إجراءات عزل مستشارين اثنين من أعضاء مجلس جماعة تطوان من مهامهما الانتدابية، بعد أن صدرت في حقهما أحكام قضائية نهائية، قضت بسجنيهما في ملفات جنائية أثارت جدلاً واسعًا.
-
الأول هو النائب الرابع لرئيس جماعة تطوان والمكلف بالملف الثقافي، الذي أدين بثلاثة أشهر حبس نافذاً في قضية “التوظيف مقابل المال”، بعد أن خفّفت محكمة الاستئناف بتطوان، حكماً ابتدائياً ابتدأ بستة أشهر إلى ثلاثة فقط، في يونيو 2024. هذا الحكم ترك جرحًا في جسد الثقة الجماعية، إذ كيف يُعهد إلى من ثبت تورطه في قضايا توظيف غير قانونية، أن يكون مسؤولاً عن ثقافةٍ يفترض بها أن تُثقّف قبل أن تُسوّغ؟!
-
المستشارة الثانية من صفوف الأغلبية الجماعية، والتي سبق أن أدينت في فبراير 2022 بأربعة أشهر حبس نافذاً ،وغرامة مالية إثر توقيفها، في حالة تلبس، بمحاولة إدخال كمية من المخدرات، إلى سجين، كان يتلقى العلاج بالمستشفى الإقليمي “سانية الرمل” بتطوان؛ سلوكٌ يخالف أبسط قواعد النزاهة، والأخلاق العامة، ويطرح أسئلة محورية حول آليات انتقاء وترشيح المرشحين، قبل وأثناء الحملات الانتخابية.
والمثير أن النائب الرابع حاول استباق قرار العزل بتقديم استقالته إلى رئاسة الجماعة، في محاولة، تبدو وكأنها ردة فعلٍ تكتيكية للحدّ من تداعيات الحكم القضائي، على صورته، غير أن قرار العزل وصل قبل استكمال الإجراءات الرسمية لاستقالته، ما يعني أن إرادة المؤسسة، كانت أسرع من محاولات الالتفاف.
بداية النهاية أم استمرار الأزمات؟
لكن ما يحصل لا يتوقف عند هذين الاسمين، إذ تشير مصادر مطابقة داخل الجماعة إلى أن عملية العزل قد تتسع لتشمل أسماء أخرى من الأغلبية نفسها، بعد أن صدرت بحقهم أحكام قضائية ثقيلة، في قضايا خطيرة تتعلق بالاختلاسات المالية والتزوير، مما يشير إلى أن المشكلة، أعمق من مجرد “سقوط فردي”، وأن هناك منظومة كاملة تحتاج إلى قراءة نقدية واعية.
ومن بين هذه الحالات، يبرز اسم النائب السادس لرئيس الجماعة، الذي أدانته غرفة جرائم الأموال بالرباط، في دجنبر الماضي بالسجن النافذ لمدة 12 سنة في ملف اختلاسات مالية، بفرع “الاتحاد المغربي للأبناك” بتطوان، مع فرض غرامة مالية وتعويض مدني كبير لفائدة البنك المتضرر. هذا الحكم، الذي يعد من بين الأشدّ في سجلات القضاء المغربي، يعكس حجم الانزلاقات التي لا يمكن السكوت عنها، تجاه مسؤول جماعي، كان من المفترض، أن يكون عوناً في تسيير الشأن المحلي.
تداعيات اجتماعية وسياسية
لم تكن ردود الفعل محصورة، في الأروقة المغلقة؛ بل امتدت إلى الشارع والتواصل الاجتماعي، حيث عبّر ناشطون وفعليون سياسيون عن استيائهم، من تكرار هذه الانزلاقات، معتبرين أنها أضرّت بصورة العمل الجماعي في تطوان، وأضعفت الثقة في المؤسسات المنتخبة. وقد انتقد بعضهم ما أسموه “تسطيح القيم الانتخابية” وغياب معايير صارمة للانتقاء والترشيح، بينما رأى آخرون أن هذا الواقع يستدعي مراجعة شاملة للتجارب السابقة، وتأسيس برنامج واضح للنزاهة والمساءلة في العمل السياسي المحلي.
خاتمة: مدينة تنتظر إصلاحًا حقيقياً
في النهاية، يبدو أن تطوان تمر اليوم بمنعطف حساس، بين استعادة ثقة المواطن في مؤسسات الشأن المحلي، والاستمرار في دورات متكررة من الفضائح والهيكلة الضعيفة. فالمشهد الذي باتت المدينة تعيشه، يؤكد أن مجرد تغيّر الأسماء لا يكفي؛ بل ينبغي أن يقترن ذلك بـ إصلاح جوهري في ثقافة السياسة وإعادة بناء الثقة بين المواطن وممثليه.
إنّ ما يحدث في تطوان، لا يمكن اختزاله في فضيحتين قضائيتين؛ بل هو نداء للتغيير الحقيقي، يدعو إلى مراجعة الذات، وإعادة النظر في من يتولى شؤون الجماعة، وكيف يتم اختيارهم ومساءلتهم، لتتحول المدينة، من شبه شفافية سياسية إلى نموذجٍ متينٍ للتسيير الرشيد والمساءلة الصادقة.




