تعنّت الوزير وهبي… لماذا لم يبدأ الحوار من بيت المحاماة؟

ضربة قلم
أعاد مشروع تعديل قانون مهنة المحاماة، الجدل حول أسلوب تدبير الإصلاحات التشريعية المرتبطة بالمهن القضائية، وفتح نقاشاً واسعاً حول حدود التشاور ومفهوم الشراكة بين الوزارة الوصية، والجسم المهني المعني مباشرة بهذه القوانين.
فقد أفرز مسار هذا المشروع، حالة من التوتر داخل الحكومة نفسها، بعدما عبّر وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن امتعاضه من قرار تأجيل إحالة النص على البرلمان، معتبراً أن ذلك، تم دون الرجوع إليه، رغم أن المشروع يندرج ضمن الاختصاصات المباشرة لقطاعه. وهو موقف يكشف أن الخلاف، لم يكن مهنياً فقط، بل سياسياً أيضاً، ولامس حدود الانسجام داخل الجهاز التنفيذي.
غير أن الإشكال الأعمق، لا يرتبط بتأجيل المسار التشريعي، بقدر ما يرتبط بالمنهجية التي تم اعتمادها منذ البداية. فالسؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم هو:
لماذا لم يُفتح نقاش مسبق مع المحامين، قبل إعداد الصيغة النهائية لمشروع يمس جوهر مهنتهم؟
وهل من المنطقي أن يُعرض نص يخص كرامة المهنة واستقلاليتها، دون إشراك من سيمارسون أحكامه على أرض الواقع؟
اللافت أن مسار التهدئة، لم يمر عبر وزارة العدل، بل عبر تدخل رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي بادر إلى فتح قنوات الحوار مع هيئة الدفاع، ما أدى إلى تعليق الإضراب واستئناف العمل بمحاكم المملكة. هذا التدخل، رغم أنه خفف الاحتقان، إلا أنه أعاد طرح إشكالية موقع وزارة العدل في تدبير الملف، وحدود استقلال قرارها داخل المنظومة الحكومية.
في المقابل، عبّرت جمعية هيئات المحامين بالمغرب عن استعدادها للتفاعل الإيجابي مع مبادرة الحوار، والمشاركة في لجنة مشتركة لبحث المشروع من جديد، مؤكدة تمسكها بثوابت المهنة وبأدوارها الدستورية، في حماية الحقوق والحريات. كما اعتبرت أن تأجيل الإحالة على البرلمان، خطوة في اتجاه اعتماد التشاور بدل فرض الأمر الواقع.
لكن، ورغم هذا الانفراج الظرفي، يبقى جوهر الأزمة قائماً:
هل كان ضرورياً أن تصل الأمور إلى إضراب وشلل جزئي في المحاكم حتى يُفتح باب الحوار؟
ألم يكن من الأجدر أن ينطلق النقاش، داخل البيت المهني، قبل أن يتحول إلى ملف سياسي داخل الحكومة؟
إن ما وقع يكشف خللاً في طريقة تنزيل الإصلاحات، حيث طغى منطق الصياغة القانونية الباردة على منطق التوافق المؤسساتي. فمهنة المحاماة ليست مهنة تقنية فقط، بل مؤسسة دستورية لها امتداد تاريخي في الدفاع عن الحريات، وأي تعديل يمسها دون إشراكها يُنظر إليه باعتباره مساساً برمزيتها قبل أن يكون مجرد تعديل قانوني.
ويبدو أن الوزير وهبي تعامل مع الملف بمنطق المشرّع أكثر من منطق ابن المهنة، فغابت لغة الجلوس إلى طاولة الحوار، وحضرت لغة النصوص الجاهزة، وهو ما فجّر الاحتقان داخل صفوف المحامين، وعمّق فجوة الثقة بينهم وبين الوزارة.
الخلاصة:
القضية لم تعد مرتبطة بمواد قانونية فقط، بل أصبحت مرتبطة بطريقة تدبير الإصلاح نفسها. فالتشريع دون تشاور يولد الرفض، والإصلاح دون توافق يولد الأزمات. ويبقى السؤال معلقاً:
لماذا لم يُفتح باب الحوار مع المحامين، قبل عرض مشروع يمس كرامتهم المهنية؟
وهل ما جرى درسٌ في ضرورة الإصلاح… أم مثال على كيف يتحول الإصلاح، إلى أزمة، حين يُدار بعقلية التعنّت؟




