الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

تغيّر الزمن وتغيّرت النفوس

م-ص

كنا صغاراً، وكان القليل عندنا يساوي الكثير. لم نعرف الرفاهية المصطنعة، ولا ألوان الأحذية الباهظة، ولا أسماء الماركات التي تحفظها ألسنة الأطفال اليوم عن ظهر قلب. كنّا نقنع بما جاد به الآباء، بل كنّا نخجل أن نثقل كاهلهم بما لا طاقة لهم به. كان الرغيف المشترك بين الإخوة وليمة، وكان الحذاء الواحد يرقّع ويخاط لبعيش معنا فصولاً أخرى. لم يكن الفقر يعيبنا، بل كنا نراه وساماً على صدورنا، لأنه كان يعلّمنا الكرامة والصبر.

وحين شببنا قليلاً، دخلنا سوق الشغل مبكرين، لا لادخار المال للترف، بل لنغطي مصاريف الملبس والكتب، ولنمد أيدينا إلى جيوب والدينا الفارغة فنملأها بما جناه عرقنا. كان البعض منّا يساهم بمرتبه الهزيل في دفع ثمن الدواء أو قنينة الغاز، وكان كثيرون يؤجلون أحلام الزواج والسفر، لأنهم أدركوا أن المسؤولية أوسع من رغباتهم الشخصية. كنا على عهد قريب كالجرار الذي يجر القطار، يسبق الجميع ويتحمل الثقل وحده، ومع ذلك لم نشتكِ، بل كنّا نرى في العطاء معنى لحياتنا.

لكن الزمن دائر، وقد دار دورته العجيبة. كبرنا، وكبر معنا جيل جديد مختلف في كل شيء. جيل لا يعرف القناعة إلا اسماً، ولا يسمع من لغة الحياة إلا ما يوافق أهواءه. صار الطفل الصغير يفاوض أباه كما يفاوض التاجر زبونه: “أريد هذا الحذاء دون غيره، أريد تلك المدرسة الخاصة، أريد الهاتف الفلاني…”، فإن عجز الأب، رأيت الكتف ترتفع استهزاءً، والوجه ينقبض غروراً، كأن التضحية لم تعد تُقدَّر، وكأن العائلة مجرد خدمة فندقية تُلبّي الطلبات.

ثم جاءت موجة المسخ الكبير؛ شباب يتشبهون في كلامهم وحركاتهم بالبنات، وآخرون يختبئون وراء الموضات السطحية، ظانّين أن المظهر يعوض عن الجوهر. بعضهم يختار الزواج بلا عمل ولا دخل، ثم يظلّ في بيت والديه يعيش عالةً عليهم، يأكل ويشرب هو ومن معه من مائدة العجوزين اللذين أنهكهما الزمن. لا خجل ولا حياء، بل إدمان على الأخذ دون عطاء، وجرأة عجيبة على تحويل البيت الأسري إلى مأوى استهلاك بلا مسؤولية.

أيها الزمن، ماذا فعلت بنا؟ كنا نحن جيل الانكسار الجميل، جيل البساطة، جيل الذين حملوا أثقالهم وأثقال غيرهم دون شكوى. واليوم نرى أمامنا جيلاً يلبس الجديد ولا يعرف كيف جُمع ثمنه، يتحدث عن الكرامة وهو يمد يده إلى جيب والديه، يرفع صوته بالحرية وهو لا يستطيع أن يتحرر من كسلٍ جاثم على قلبه.

لسنا ضد الفرح ولا ضد الطموح، لكننا نتألم من جيل ينسى أن الرجولة مسؤولية قبل أن تكون مظهراً، وأن الأنوثة حياء قبل أن تكون زينة، وأن الحياة كرامة تُبنى بالعرق والكدح، لا بالكسل والاتكالية.

لقد علّمنا آباؤنا أن العطاء معنى الوجود، وعلّمنا الفقر أن الكرامة أغلى من كل كنوز الدنيا. لكن يبدو أن دروس الأمس لم تعد تُقرأ، وأن كتاب القناعة أُغلق إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.