
ضربة قلم
في قلب نزاع قضائي معقد أمام محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، يبرز ملف فندق “أفانتي” كواحد من القضايا التي تتجاوز حدود القانون الجاف، لتلامس عمق الإشكال الاجتماعي، حيث يجد عدد من العمال أنفسهم في مواجهة قرارات فصل تثير أكثر من علامة استفهام.
القضية، التي جاءت في سياق مسطرة التصفية القضائية، لا تتعلق فقط بإعادة ترتيب الوضعية المالية للمقاولة، بل تضع في صلبها سؤالاً جوهريًا: كيف يمكن الحديث عن تفويت يبرر قرارات مصيرية، في وقت تؤكد فيه المعطيات القانونية، أن هذا التفويت لم يكتمل بعد؟
المثير في هذا الملف أن المذكرة الجوابية التي تقدم بها السنديك، باعتباره الجهة المكلفة قانونًا بتدبير أصول المقاولة خلال مرحلة التصفية، تحمل في طياتها عنصرًا حاسمًا. فقد أكدت، بشكل واضح، أن عملية التفويت النهائي، لم تُستكمل بعد، وأن ما جرى لا يتجاوز مرحلة التنفيذ التمهيدي، حيث تم الشروع في بعض الإجراءات، دون استيفاء الشكل القانوني النهائي المتمثل في إبرام عقد التفويت.
هذا المعطى ليس تفصيلاً تقنيًا بسيطًا، بل نقطة مفصلية تعيد طرح طبيعة القرارات، التي تم اتخاذها داخل المؤسسة، وعلى رأسها تسريح عدد من المستخدمين. فإذا كان التفويت لا يزال في طور التنفيذ، فإن الوضع القانوني للمفوّت له، يظل غير مكتمل، ولا يمنحه، من حيث المبدأ، صلاحيات مطلقة للتصرف في مصير العمال.
وفي هذا السياق، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: على أي أساس تم اتخاذ قرار التسريح؟ وهل يمكن لمرحلة تمهيدية، لم تُستكمل شروطها القانونية، أن تُستعمل كغطاء لاتخاذ قرارات نهائية تمس استقرار الشغل؟
المعطيات الواردة في الملف تشير إلى أن المفوّت له، باشر بالفعل بعض مظاهر التسيير، واستفاد من آثار أمر التفويت، غير أن ذلك لا يعفيه من الالتزامات المترتبة عنه، خاصة تلك المتعلقة بالحفاظ على مناصب الشغل. فالقانون لا ينظر إلى التفويت كعملية نقل ملكية فحسب، بل كآلية لضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، وحماية النسيج الاجتماعي داخل المؤسسة.
كما أن أمر التفويت نفسه، الصادر في يوليوز 2025، وضع شروطًا واضحة، من بينها احترام عقود الشغل، مع التنصيص على ضرورة الرجوع إلى القاضي المنتدب في حال ظهور أي صعوبة في التنفيذ. وهو ما يعني أن اتخاذ قرارات أحادية، دون المرور عبر هذه القناة القضائية، يطرح إشكالاً حقيقيًا من زاوية المشروعية.
وفي خضم هذا التعقيد، تتجه الأنظار إلى المحكمة، التي تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: من جهة، احترام المساطر القانونية وشروطها الشكلية، ومن جهة أخرى، حماية الحقوق الاجتماعية، التي تشكل أحد الأهداف الأساسية لمسطرة التفويت.
فهل يمكن اعتبار تسريح العمال، إجراءً مشروعًا في ظل تفويت، لم يكتمل بعد؟ أم أن الأمر يتعلق بتأويل متسرع لمسطرة ما زالت في طور الإنجاز؟
ما هو مؤكد، أن هذا الملف لا يختزل في نزاع تقني، بل يعكس إشكالية أوسع، تتعلق بمدى احترام فلسفة القانون، التي تجعل من الحفاظ على مناصب الشغل جزءًا لا يتجزأ من أي عملية تفويت قضائي.
وبين نصوص القانون وتأويلاتها، يبقى عمال “أفانتي” في قلب المعادلة، في انتظار كلمة القضاء، أملاً في استعادة حقهم في الشغل، أو على الأقل في إنصاف يضع حدًا لمرحلة من الغموض القانوني والقلق الاجتماعي.




