الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

تقني في الصباح.. ملياردير في المساء: حين تتحول السلالم الإدارية إلى مصاعد للثراء الفاحش!

ضربة قلم

آه، التقارير المسرّبة من المجلس الجهوي للحسابات… ذلك الكابوس المتكرر الذي لا يوقظ أحدًا، رغم صفارات الإنذار التي تعلو، ثم تختفي، كما لو أن الأمر لا يعدو أن يكون نشرة طقس في بلد مناخ الفساد فيه مستقر دائمًا على سُحب متفرقة من الاغتناء السريع وأمطار من الصفقات المشبوهة. ما إن يُفتح ملف حتى يُفتح فم أحدهم بدهشة بريئة: “أنا؟ ما درت والو، هادي غير نعمة من الله!”

في جهة الدار البيضاء – سطات، تقارير القضاة تكشف أن هناك من يستيقظ صباحًا كـ”تقني بسيط” في السلم 6 ويخلد للنوم مساءً كمالك لفيلا تطل على المحيط الأطلسي، كأن البحر نفسه قد وقع له في عقد عمل عند الموظف المحظوظ. لا حديث هنا عن اجتهاد أو ابتكار، لا عن اختراع تطبيق عالمي، لا عن ورثة مفاجئة من عم في البرازيل. نحن ببساطة أمام مواهب استثنائية في تحويل السلالم الإدارية إلى مصاعد مالية، بسرعة تفوق سرعة الصوت القانوني.

إنه ليس غنى عاديا، بل غنى “مربك للمنطق”، حيث يصبح الموظف الجماعي، الذي بالكاد يكفيه راتبه لشراء تذكرة حافلة، مالكًا لأسطول سيارات، وعقارات في مصايف لا يعرفها حتى بعض المغنين المتفاخرين بنمط عيشهم في أغانيهم. موظف آخر، تقول التقارير، أصبح “واحدًا من كبار أصحاب الثروات”، والمرجّح أنه لا يعرف الفرق بين جداول الحواسيب والمحاسبة على أساس الاستحقاق، لكنه يتقن شيئًا أهم: كيف تصير غنيًا في المغرب دون أن تسأل نفسك: من أين لك هذا؟

والأجمل – أو الأحزن – أن هؤلاء “المُلزَمين” لم يجدوا حرجًا في القفز على مساطر التصريح بالممتلكات، وكأن التصريح عبء نفسي لا يحتمل، وكأن “ممتلكاتهم” لا تحتمل الضوء، بل تنمو فقط في الظل، مثل الفطر السام.

إنه موسم “الفضح والتقارير”، حيث يُتداول خبر العزل والتوقيف مثلما تتداول أسعار البطاطس، دون أن يحدث ذلك أيّ صدمة. الكل يعرف، الكل يرى، والكل يتساءل: من سيكون التالي؟، لا من باب العدالة، بل من باب الفضول الممزوج بالخوف: “واش نوبتي جات؟”.

قضاة المجلس الجهوي للحسابات يُنجزون تقاريرهم، ويدونون ملاحظاتهم بأقلام تئن من كثرة ما كتبت عن نفس الممارسات، نفس الخروقات، نفس الوجوه التي تعيد تدوير المناصب كما يُعاد تدوير البلاستيك الرديء. ما الجدوى من تقارير لا تُعقبها أحكام صارمة؟ ما الفائدة من كشف كل هذا إن كانت النهاية دائمًا: لجنة، تحقيق، ثم نسيان…؟

والمثير للسخرية، أن بعض هؤلاء الموظفين هم موضوع قرارات تمديد نشاطهم لسنوات، لا لشيء سوى لأنهم “كفاءات”، كفاءات في ماذا؟ ربما في الفوتوشوب الإداري، حيث تظهر الأرقام متطابقة في الظاهر، لكنها على الأرض تفرخ ملايين لا يراها ديوان المحاسبة.

الجبايات؟ التعمير؟ لا تسأل عن تلك الأقسام، فهناك فقط يصنع السحر. حيث العقار يُسجّل بأسماء وهمية، والرخص تُمنح لأشخاص لا يعرفون حتى موقع الأرض على الخريطة. كل شيء يباع، كل شيء يُشترى، حتى الضمير المهني صار قابلاً للمساومة في سوق الصفقات العمومية.

لكن لنتفاءل قليلًا، لأن المصادر تقول إن مقصلة التوقيفات والعزل قادمة، وستخبط رقابًا جديدة. قد يكون هذا موسم الحصاد، لا حصاد الزرع، بل حصاد الاختلاسات… ومعه قد نرى موظفًا واحدًا على الأقل يتذوق طعم “المساءلة” ولو من باب التمثيل الرمزي، حتى نُبقي على وهم دولة القانون.

في انتظار ذلك، نوصي الجميع – خصوصًا من يقيمون في سلالم منخفضة ويملكون طائرات خاصّة – بأن يبدؤوا تدريجيًا في التصريح بممتلكاتهم أو على الأقل تعلم فن الإخفاء بطريقة محترفة، لأن القادم، على ما يبدو، ليس أقل من حفلة كشف أوراق شاملة، وعلى من لم يتقن لعبة الورق أن يبدأ في تعلم البلوتوكراتية المغربية من جديد.

ومسك الختام؟
في هذا البلد، السلم الإداري ليس معيارًا للراتب، بل مجرد خلفية ديكور لمسلسل كوميدي ساخر من إنتاج المال العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.