الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

تقييد حق التقاضي في قضايا الفساد: انتكاسة دستورية تهدد استقلال القضاء والمجتمع المدني

ضربة قلم

في خضم صمت إعلامي ملحوظ، تشهد الساحة القانونية المغربية تطورات دقيقة، ولكنها خطيرة، تتعلق بمشروع تعديل قانون المسطرة الجنائية، وبالضبط المادتين 3 و7، واللتين تثيران جدلًا متناميًا بين أوساط المجتمع المدني، بسبب ما تحمله من تهديد واضح لجوهر دولة القانون ومبدأ فصل السلط.
ففي الوقت الذي ينص فيه الدستور المغربي لسنة 2011 على كون القضاء سلطة مستقلة (الفصل 107)، ويكرّس الحق في الولوج إلى العدالة كحق من حقوق الإنسان الأساسية (الفصل 118)، تفاجأ الفاعلون الحقوقيون بتعديلات تُقيّد هذا الحق، إذ تُلزم الجمعيات والمواطنين بالحصول على إذن مسبق من وزير العدل لمقاضاة مسؤولين أو إدارات في ملفات تتعلق بالفساد المالي.
من الرقابة الشعبية إلى “الرقابة الوزارية”
مشروع القانون، بصيغته الحالية، يُعيدنا إلى الوراء، حين كانت السلطة التنفيذية تتحكم في مسارات التقاضي الحساسة، خصوصًا تلك المرتبطة بتبديد المال العام وسوء تدبير الصفقات. فهل يُعقل أن يُشترط إذنٌ وزاري لمقاضاة من قد يكون منتميا لنفس المنظومة الوزارية أو الإدارية؟
هنا نصطدم بمفارقة دستورية حقيقية: كيف يستقيم مبدأ النيابة العامة المستقلة (الفصل 116) مع تدخل وزير العدل في توجيه شكايات المواطنين؟ أليس هذا التفافًا ناعمًا على مبدأ استقلال السلطة القضائية؟
الولوج إلى العدالة… من حق دستوري إلى امتياز مشروط؟
الفصل 118 من الدستور المغربي واضح وصريح: “حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.” لا استثناءات. لا ترخيص. لا وساطة. إذًا، من الذي يُشرعن لفكرة “إعادة ضبط” هذا الحق عبر بوابة وزارية؟
نحن لا نتحدث هنا عن تفاصيل إجرائية، بل عن تحوّل جذري في العلاقة بين المواطن والدولة، وعن انزياح تدريجي من دولة القانون إلى دولة “الانتقاء القانوني”.
ما الذي يخشاه المشرّع؟
المدافعون عن هذه التعديلات يلوّحون بضرورة محاربة “الشكايات الكيدية”، وتفادي “العبث القضائي” الذي قد يعرقل عمل المؤسسات. لكن السؤال هنا: هل تعالج التشريعات الصارمة ظاهرة فردية؟ وهل يُعقل أن يُعاقب الجميع بسبب استثناءات محدودة يمكن معالجتها عبر أدوات قانونية قائمة بالفعل؟
ما يُخشى منه حقيقةً، هو أن يصبح القضاء رهينة لتوازنات سياسية وإدارية، وأن يُحرم المواطن – سواء كان فردًا أو هيئة مدنية – من حقه طرق أبواب العدالة حين يتعلق الأمر بالفساد والنهب وسوء التدبير.
المجتمع المدني كخط الدفاع الأخير
ما تعجز أحيانًا الأجهزة الرسمية عن كشفه، تكشفه شكاوى جمعيات حماية المال العام، والحقوقيين، والهيئات المستقلة. لولا مبادرات هؤلاء، لبقيت كثير من الملفات قابعة في الأدراج. إن التضييق على المجتمع المدني في باب التقاضي لا يضربه وحده، بل يُجهز على الديمقراطية التشاركية التي جعل منها الدستور الجديد إحدى ركائز الحياة العامة (الفصل 12).
إن التوجّه نحو تكميم أدوات المساءلة القضائية ليس فقط انتكاسة تشريعية، بل مغامرة دستورية محفوفة بالمخاطر، تعيدنا إلى مربع الريبة وعدم الثقة في المؤسسات.
الخلاصة:
في بلد يُرفع فيه شعار “عدم الإفلات من العقاب”، لا يجب أن يُربط الحق في اللجوء إلى القضاء بإذن من أحد، ولا يجب أن يُضيق على الجمعيات التي تمثل صوت المواطن الأخير حين يخفت كل صوت.
هذا ليس وقت الصمت، بل وقت مساءلة القوانين قبل أن تصبح سارية. فكل تضييق على باب العدالة هو شرخ في صرح الدستور… وكل تقييد لسلطة القضاء هو فسحة جديدة للفساد.
دولة الحق لا تُبنى ببلاغات الحكومات، بل بتمكين الضعفاء من الوقوف أمام الأقوياء… أمام القضاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.