تمارة تحتفل بعيد العرش بـ«Bon de Cheikhat»… عندما يُقاس الفن بوحدة U!

ضربة قلم
بكل احترام لمناسبة عيد العرش المجيد، التي تُعد من أسمى اللحظات الوطنية وأكثرها إشعاعًا في وجدان المغاربة، لا يسعنا إلا أن نُسلّم بأهمية الاحتفاء بها بما يليق بجلال اللحظة، غير أن جماعة تمارة – وبخفة فنية تحبس الأنفاس – اختارت أن تسلك دربًا لا يخلو من نكهة عبث بيروقراطي فيه من النمطية ما يُغني عن الإبداع، ومن الاجترار ما يطمس كل بادرة تجديد.
في وثيقة رسمية تحمل اسمًا فخمًا: “أمر بالشراء رقم 46/2025″، نكتشف أن جماعة تمارة قد عقدت العزم – بكل جدية وعزم – على إحياء الذكرى 26 لعيد العرش عبر عروض فنية لا تُضاهى، قوامها الشيخات والمنشطين وبعض الأصوات التي قد لا تعرفها حتى “الگيطو” المحلي! ولم يُغفل رئيس الجماعة، توثيق هذه الخطوة التاريخية في وثيقة محكمة التنسيق، مصاغة بروح “سوق أسبوعي” أكثر منها روح احتفال وطني.
ثلاث ليالٍ.. وثلاثة منشطين.. وكأننا في مهرجان “تغدوين” الصيفي
في ليلة 29 يوليوز، سيتم استدعاء منشط يُدعى “بكّار عبد الرحيم”، ترافقه فرقة فولكلورية من خريبكة، و”فنان” يحمل اسمًا ثلاثيًا يثير الفضول: عبد الرحيم مسكيني، إلى جانب الشاب “سيمو” – وربما هو فتى تيك توك سابق قفز من الفيديوهات القصيرة إلى المنصات الفنية تحت شعار: “عندنا العيد وباغين شي نشاط”.
ثم في اليوم التالي، يطل علينا “هشام جناح”، المعروف – حسب التسويق المحلي – بقدرته على بعث الحياة في أي منصة خاوية. وسيرافقه فريق “لمشهاب” – وليس واضحًا إن كنا نتحدث عن فرقة موسيقية أم فرقة لإطفاء حرائق البوادي، إضافة إلى المطرب “لعربي الشعيبي”، وآخر اسمه “عزيز خير”، وهو اسم يوحي بالأمل، رغم أنه قد لا يملك في أرشيفه أكثر من أغنيتين ومسيرة غنائية محدودة في الأعراس.
أما ختام الاحتفالات، فقد وُكل أمره إلى “عبد الخالق فاهيد”، الذي سيقودنا إلى أعماق “الابتكار الفني” رفقة مطربين هم: بنسعيد، عواد الحواتي، و”موس ماهر” – الأخير يبدو كأن اسمه منسوخ من برنامج “ذي فويس” في نسخة مراكش.
بنظام “U”.. كل شيء محسوب!
الوثيقة المرفقة لا تترك مجالًا للتأويل: كل خدمة أو “فنان” يتم احتسابه بوحدة “U”، تمامًا كما تُحسب علب التونة أو المصابيح الكهربائية. لا حديث عن القيمة المالية، لا تحليل فني للجدوى، لا تقييم للأثر الثقافي، فقط وحدة قياس وكمية: “U 1” تعني شخص واحد، وكأننا في متجر إلكتروني نطلب العروض الفنية مع خاصية “الدفع عند التسليم”.
شكون غادي يصفق؟
في زمن يفيض فيه المغرب بالمواهب الشابة، من مهندسين وفنانين بصريين وكتّاب وصانعي محتوى مبدعين في ميادين تكنولوجية وثقافية، اختارت الجماعة أن تُحيي المناسبة عبر وصفة قديمة من العصر البائد: فرقة فلكلورية، منشط يصرخ في الميكروفون، وثلاثة مغنين لكل ليلة… أما الفن التشكيلي، الذي تمت الإشارة إليه في بلاغ شفوي، فقد اختفى من الوثيقة، كأنما هو زينة كلامية لتمويه بعض المتذوقين الذين لا مكان لهم في مسرح العمليات.
وأين هي التغطية الإعلامية أو الانفتاح على المجتمع المدني؟
ولا كلمة واحدة في الوثيقة عن إشراك الفاعلين الثقافيين المحليين، أو عرض الفقرات الفنية على الساكنة للاستئناس برأيها، أو حتى التفكير في برمجة موازية للأطفال، أو ذوي الاحتياجات الخاصة، أو العائلات. كل شيء نُسّق داخل المكاتب، تحت ضوء النيون، بعيدًا عن نبض الشارع وأحلامه في احتفال يُشبهه.
خاتمة سريالية
في النهاية، لا يسعنا سوى أن نحيي عالياً ذكرى عيد العرش المجيد، وننوه بجهود الدولة في تعزيز قيم الوحدة والوفاء للعرش العلوي، غير أن احتفالات جماعة تمارة، بنظام “Bon de commande”، تُجسد تماماً غياب الرؤية الثقافية، وتُكرّس منطق “نصَب الخيمة وغنّي”، في وقت يتطلع فيه شباب المغرب إلى ثقافة ترتقي بالعقل والوجدان، لا إلى سهرة تشبه “خميس أولاد امبارك”.
فهل نطمع أن تتحوّل هذه الاحتفالات مستقبلاً من “سهرات التنشيط المؤقت” إلى منصات للفن الحقيقي والابتكار المحلي؟ أم أن وحدات الـ”U” ستظل تحكم المشهد باسم الفرجة؟




