تمييع المشهد السياسي أو تسييس الميوعة

ضربة قلم
في الأوطان التي تُختزل فيها السياسة إلى شعارات انتخابية فارغة، يتحول المشهد السياسي إلى مسرح عبثي لا يثير الضحك بقدر ما يثير الغثيان. ولعلّ ما نراه اليوم في بعض التجارب السياسية ليس سوى نسخة مشوهة من الديمقراطية، حيث تُستعمل “الميوعة” كسلاح سياسي، ويُقدَّم للناس الوهم في ثوب الوعود.
خذ مثلًا ذلك السياسي الذي خرج إلى الشعب المقهور ليبشره بمبلغ “ألفين وخمسمائة درهم”، وكأنه بابا نويل يوزّع الهدايا في موسم الأعياد. لا رؤية اقتصادية، لا برامج تنموية، لا إصلاحات ملموسة… فقط مبلغ جاهز يوضع في المزاد الانتخابي، ثم يُرفع صاحبه بعد ذلك إلى مركز القرار وكأنه رجل دولة حكيم. في لحظة كهذه، نفهم أن السياسة لم تعد فنّ الممكن، بل فنّ الضحك على الذقون.
ثم ننتقل إلى نموذج آخر أكثر سخرية: أطول برلماني، كان يفترض أن يدافع عن قضايا الأمة، فإذا به يتحول إلى سمسار في سوق اللاعبين، يبيع ويشتري في “الكرويات” كما لو كان يتاجر في الكتاكيت. كرة القدم هنا ليست رياضة وطنية تُلهب الجماهير، بل مجرد “بورصة دواجن” تدر أرباحًا أسرع من أي مناقصة أو صفقة. وحين يسأله المواطن البسيط: “أين التشريع؟ أين الرقابة؟” يجيبه بابتسامة باردة: “الكرة جزء من السياسة… والكتاكيت أيضًا.”
هذا هو جوهر تمييع المشهد السياسي: أن يتحول البرلمان إلى “بازار”، فيه المقاعد تباع وتشترى، والوعود تُقايض بالدرهم والدجاجة، والبرامج الانتخابية لا تتجاوز حدود المهرجانات الخطابية حيث تُوزَّع الابتسامات وتُعلَّق الصور على الجدران. والنتيجة: ضياع الثقة بين المواطن والسياسة.
المفارقة الكبرى أن بعض هؤلاء الساسة يرفعون شعار “خدمة الوطن”، بينما الوطن عندهم لا يتجاوز “حظيرة انتخابية” يدخلونها في موسم الاقتراع ليجمعوا أصواتها، ثم يغادرونها تاركين وراءهم الفوضى والفراغ. المواطن عندهم ليس إلا زبونًا، والسياسة ليست إلا دكانًا، والبرلمان ليس إلا مخزنًا لتخزين النفوذ والمصالح.
قد يقول قائل: هذا مجرد استثناءات. لكن الحقيقة أن هذه النماذج حين تتكرر، تتحول إلى قاعدة، وتصبح الصورة العامة للسياسة في نظر الناس مجرد “ميوعة”. فبدل أن تُنتج السياسة قادة ورجال فكر وإصلاح، صارت تُفرخ تجارًا في كل شيء: من الدواجن إلى البشر، ومن الأحلام إلى الأوهام.
ولعل الأخطر من ذلك، أن هذا التمييع يخلق فراغًا أخلاقيًا. حين يرى الشاب المغربي أن من يصل إلى مركز القرار هو الأكثر قدرة على توزيع الأوهام، أو الأكثر براعة في بيع الكتاكيت، يفقد أي رغبة في الانخراط الجاد في الشأن العام. وهكذا تُقتل السياسة في مهدها، وتُترك الساحة لمن يجيدون “تسييس الميوعة”.
السياسة، في أصلها، عمل نبيل، هدفه خدمة المجتمع ورسم مستقبل أفضل. لكنها في يد هؤلاء تُختزل إلى “بازار” مليء بالصراخ والمساومة. والأنكى أن بعضهم يخرج أمام الكاميرات ليعطي دروسًا في الوطنية والشفافية، بينما المواطن يعرف أنه يبيع الدواجن أكثر مما يدافع عن الدستور.
في النهاية، يمكن القول إن الخطر الحقيقي ليس في رجل وزع وعودًا فارغة أو برلماني يبيع اللاعبين كما لو كانوا كتاكيت، بل في المنظومة التي تسمح لمثل هؤلاء أن يصبحوا “ممثلي الأمة”. فحين تسود الميوعة، تصبح السياسة مجرد مسرحية هزلية، والمواطن مجرد متفرج مجبر على دفع ثمن التذكرة، حتى وإن لم يضحك.




