تهمة الجدية… حين يصبح الإخلاص جريمة

ضربة قلم
في هذا الزمن، لم يعد الكسل مشكلتنا، بل الجدية. فالإنسان الجاد بات خطراً، لأنه يُفسد المزاج العام للقوم، يقطع حبل التهاون الجماعي، يوقظ النائمين وهم لا يحبون أن يُوقظهم أحد.
من يشتغل بضمير، يُتّهم أحيانا بالخيانة، ومن يتقن عمله، يُتهم بالتمرد على “النظام”، ومن يملك الجرأة على قول الحقيقة، يُتّهم بإفساد اللحظة، أو بكشف ما يُفترض أن يظل مغطى تحت أوراق الحياد الزائف.
في دواوين الإدارة، في قاعات المحاكم، في مكاتب الصحافة، وحتى في حلقات البحث العلمي، هناك جدار غير مرئي يُبنى كل يوم ضد من يعمل بصمت واتقان. ليس لأنه يُخطئ، بل لأنه يُظهر الآخرين على حقيقتهم.
الكسول لا يكره نفسه، هو فقط يكره من يذكره بأنه كسول. والغافل لا يضيق بالواقع، بل يضيق بمن يُصرّ على تذكيره به.
هذا الإنسان الجاد، غريب دائمًا. يُنظر إليه بحذر، يُسأل كثيرًا: “علاش داير بحال هاكا؟”، يُدفع نحو الزوايا، يُقصى من الصفقات، يُتهم بالعدمية، وبالانتماء لجهات لا يراها أحد.
الحقائق التي يُدلي بها لا تُناقش، بل يُناقش هو. تُفتش نواياه، يُنقب في ماضيه، ويُسحب منه رخصة الإقناع لأنه… مزعج. لا أحد يحب المزعجين، خصوصًا حين لا يصرخون ولا يشتمون، بل يشتغلون فقط. وهذا أسوأ أنواع “الإزعاج”.
في مجتمع باتت فيه المجاملة ديناً، والتوسط ذكاء، والتحايل حرفة، تبدو الجدية فعلاً عدوانيًا. تهمة بلا ملف، لكنها تهمة لصاحبها.
يُقال عنه إنه لا يساير، لا يلين، لا “يعرف من أين تُؤكل الكتف”… وكأن النجاح لا يليق إلا بالذي يتنازل أو ينحني قليلاً ليجتاز عتبة المرحلة.
الوظيفة العمومية تضيق بالجاد لأنه يُفسد العطالة الاختيارية، والقطاع الخاص يرفضه لأنه لا يُجيد التملق للرؤساء، والمجتمع ينبذه لأنه لا يعرف المجاملة على حساب المبدأ. وحدها غرفه الضيقة تعرف كم مرة تمنى لو كذب، فقط ليرتاح.
هذا الحصار لا يُرى، لكنه محسوس: تأخير في الترقية، إقصاء من اللجان، سحب من المشاريع، تشويه في الكواليس، همسات في الممرات، واتهامات مغلفة لا تُكتب ولكن تُفهم.
ورغم كل ذلك، يستمر. ليس لأنه يظن أن الجدية ستُكافأ، بل لأنه لا يعرف غيرها. هو لا يملك زر “الخداع”، ولا يتقن لُعبة “التكيف”، ولا يضع القيم في جيب معطفه يخرجها حسب الطقس.
لكنه يعرف شيئًا واحدًا: أن الحقائق لا تموت، حتى حين تُدفن مؤقتًا. وأن ما يُبنى على التزوير، ينهار، ولو بعد حين. وأن الإنسان، مهما طال ليله، لا يُهزم حين يصرّ على أن يكون هو نفسه، لا ما يريد الآخرون أن يكونه.
فمن قال إن الصدق سهل؟ ومن قال إن النقاء لا يكلف؟
الحقيقة تُعاقب، لا لأنها خاطئة، بل لأنها تُحرج الزيف الذي تعوّد على أن يُعامل كقاعدة.
وفي زمن كهذا، ليست البطولة أن تصرخ، بل أن تظل واقفًا، رغم كل شيء…
أن تشتغل، رغم كل شيء…
أن تقول الحقيقة، رغم كل شيء.
وأن تظل إنسانًا، في بيئة تطلب منك أن “تتكيّف”… ولو بثمن روحك.





https://shorturl.fm/XTd8e