توني بلير.. ولحظة السقوط الأخلاقي

ضربة قلم
لم يكن توني بلير سياسيًا عاديًا في تاريخ بريطانيا الحديث. فقد دخل «داونينغ ستريت» سنة 1997، بوصفه وجهًا شابًا، حداثيًا، أعاد تشكيل حزب العمال، وحرّره -نظريًا – من إرثه النقابي الصلب، عبر ما سُمّي بـ «الطريق الثالث»: لا اشتراكية تقليدية ولا ليبرالية متوحشة، بل توليفة براقة، جذبت الطبقة الوسطى، وفتحت له أبواب الحكم لثلاث ولايات متتالية، في سابقة لم يعرفها الحزب من قبل.
داخليًا، لا يمكن إنكار أن بلير قاد إصلاحات كبرى:
-
ضخ استثمارات غير مسبوقة في التعليم والصحة،
-
وسّع من حقوق الإنسان عبر إدماج الاتفاقية الأوروبية في القانون البريطاني،
-
وكان مهندسًا سياسيًا لاتفاقية الجمعة العظيمة (1998) التي أنهت عقودًا من الدم في ايرلندا الشمالية.
لكن… كل هذا الإرث الداخلي، كأنه وُضع بين قوسين كبيرين ابتداءً من سنة 2003.
العراق: لحظة السقوط الأخلاقي
حين قررت الولايات المتحدة غزو العراق، لم تكن بريطانيا مجبرة قانونيًا ولا سياسيًا، على أن تكون الشريك الأول في المغامرة. ومع ذلك، اختار بلير أن يكون أكثر حلفاء واشنطن حماسة، لا أقلهم.
الخطاب الرسمي كان واضحًا:
-
أسلحة دمار شامل،
-
خطر داهم،
-
حماية الأمن العالمي،
-
وتحرير الشعب العراقي من الدكتاتورية.
لكن الزمن كان قاسيًا مع هذه الرواية:
-
لم تُعثر على أسلحة الدمار الشامل،
-
تبيّن لاحقًا أن الملفات الاستخباراتية “ضُخّمت” سياسيًا،
-
وتأكد أن الحرب، لم تكن مفروضة بقرار أممي صريح، بل جرى الالتفاف على الشرعية الدولية.
هنا بالضبط بدأ السؤال الأخلاقي الكبير:
لماذا أصرّ بلير؟
ولماذا خاطر برصيده السياسي والشعبي؟
«الكعكة»… المجاز الذي يفضح النية
العبارة التي نطق وصرح بها لبلير تعبّر عن جوهر المقاربة:
العراق لم يكن فقط خطرًا أمنيًا، بل فرصة جيوسياسية واقتصادية.
النفط، هنا، ليس تفصيلاً:
-
العراق كان (ولا يزال) من أكبر خزانات الطاقة في العالم،
-
إعادة رسم خريطة النفوذ، بعد الحرب الباردة، كانت تمر عبر الشرق الأوسط،
-
وبريطانيا، القوة الإمبراطورية السابقة، لم تعد قادرة، على لعب أدوار كبرى، إلا من بوابة التحالف مع واشنطن.
بعبارة أبسط:
بلير لم يقُد حربًا فقط من أجل «القيم»، بل من أجل مكان على طاولة الغنائم السياسية والاقتصادية.
من زعيم عمالي إلى شريك رعاة البقر
المفارقة المؤلمة أن بلير، زعيم حزب نشأ تاريخيًا، ضد الاستعمار وضد الحروب الإمبريالية، انتهى في الخندق نفسه مع:
-
المحافظين الجدد في أمريكا،
-
خطاب «رعاة البقر» القائم على منطق: إما معنا أو ضدنا.
لم يعد القانون الدولي كافيًا له،
ولا الشرعية الأممية،
ولا حتى شكوك ملايين البريطانيين، الذين خرجوا في أكبر مظاهرات، شهدتها لندن منذ الحرب العالمية الثانية.
وهنا يصدق الوصف:
«باطل يُراد منه حق»
حقٌّ معلن اسمه “الديمقراطية”، وباطل خفيّ اسمه النفط والنفوذ.
لجنة تشيلكوت: الإدانة المتأخرة
تقرير لجنة تشيلكوت (2016) جاء بعد فوات الأوان، لكنه وضع النقاط على الحروف:
-
الحرب لم تكن الخيار الأخير،
-
المعلومات الاستخباراتية لم تكن مؤكدة،
-
التخطيط لما بعد الحرب كان كارثيًا.
لم يُحاكم بلير، ولم يُدان قانونيًا،
لكن إدانته كانت سياسية وأخلاقية وتاريخية.
إرث منقسم… ورجل لم يُغفَر له
اليوم، يمكن القول إن توني بلير يعيش مفارقة قاسية:
-
سياسي ناجح داخليًا،
-
لكنه منبوذ شعبيًا في بلده بسبب العراق.
قد تُذكر إصلاحاته،
قد يُشاد بدوره في ايرلندا الشمالية،
لكن كلما ذُكر اسمه، يعود العراق كظل ثقيل:
أطفال، فوضى، دولة منهارة، وشرق أوسط أكثر اشتعالًا.
الخلاصة
لم يدخل توني بلير العراق لأنه أُجبر،
ولا لأنه خُدع بالكامل،
بل لأنه اختار أن يكون شريكًا في لعبة كبرى،
لعبة تُوزَّع فيها «الكعكة» بين الأقوياء،
ويُدفع ثمنها من دم الشعوب الضعيفة.
وهنا، يسقط القناع:
ليس كل من يتحدث باسم القيم أخلاقيًا،
ولا كل من يرفع شعار الديمقراطية بريئًا،
وبالتأكيد… ليس كل زعيم «عمالي» في صف العمال، حين تُفتح شهية الإمبراطوريات.




