تيفلت تهتزّ على الخفيف: همسة من تحت الأرض

ضربة قلم
في مساء رتيب ككل أمسيات الصيف التي تعودت فيها الأرض على الهدوء، حدث ما لم يكن في الحسبان، وإن بدا للبعض مجرد ومضة عابرة في سجل الطبيعة. ففي حدود الساعة الثامنة وثمانية وعشرين دقيقة مساءً اليوم، اهتزت أطراف تيفلت، المدينة التي لطالما اختبأت خلف غلالات النسيان والهدوء، على وقع ارتجاج أرضي خفيف بلغت قوته 3.1 درجات على سلم ريشتر.
الخبر مرّ سريعًا عبر المواقع المتخصصة، كنبأ صغير في هامش الأحداث، لا يحمل رائحة الدم ولا دخان الحروب، مجرد “هزة خفيفة”، كما وصفتها البيانات الرسمية، دون خسائر تُذكر. ومع ذلك، لم يمر مرور الكرام في قلوب أهل المنطقة، فلكل ارتجاج، مهما صغر، حكاية تُروى في العيون والأنفاس.
في منازل الطوب الإسمنتي المنتشرة على أطراف المدينة، توقفت الحكايات، سكتت التلفزيونات، وارتجفت بعض القلوب. لم يكن الأمر دراميًا بما يكفي ليخرج الناس للشوارع، لكنه كان مقلقًا بما يكفي ليدفعهم إلى تبادل النظرات والرسائل القصيرة: “واش حسّيتي؟”.
الزلازل، حين تُذكر في المغرب، تستحضر تلقائيًا صور الأطلس ومراكش والحوز، لا تيفلت ولا الخميسات. لكن الأرض لا تسأل الجغرافيا حين تنوي أن تذكّرنا بأن تحت أقدامنا عالمًا آخر، عالمًا من الصفائح الصامتة التي تئن وتتحرك في صمت. هزة اليوم لم تكن إنذارًا ولا كارثة، لكنها كانت همسة، تذكيرًا بأن الثبات وهمٌ، وأن الأرض أيضًا تتنفس، وتغضب، وتلين.
ورغم أن أجهزة الرصد الزلزالي، سواء المغربية منها أو الأجنبية، اكتفت بإدراج الهزة ضمن قائمة الأحداث الطبيعية الروتينية، فإن ما لا يمكن رصده بالأرقام هو الأثر غير المرئي: القلق الذي يتسرب إلى النفوس، الأسئلة التي لا تُطرح بصوت مرتفع، والتساؤل الدفين: “وماذا لو كانت أقوى؟”.
في مجتمع ما زال يراهن على بناء الأحلام فوق أساسات رخوة، وفي بلد تتفاوت فيه البنيات التحتية من مدينة إلى أخرى، تبقى مثل هذه الهزات الصغيرة ذات دلالات كبرى. هي بمثابة اختبار حذر للجاهزية، للوعي، ولمدى استيعاب المؤسسات بأن الطبيعة لا تنتظر البلاغات الرسمية لتعلن غضبها.
أما في تيفلت، فسيُروى ما حدث على موائد الشاي، وتُنسج حوله تعليقات خفيفة ممزوجة بخوف دفين، قبل أن يعود كل شيء إلى ما كان عليه. لكن الأرض، بطبيعتها، لا تنسى، ولا تعد بشيء. إنها فقط تذكّرنا، بين الحين والآخر، بأننا لسنا وحدنا من يعيش فوق هذا الحيز من العالم، بل هناك في العمق قوى صامتة، مستمرة في حركتها، لا تعبأ بأخبارنا ولا بحساباتنا السياسية، بل فقط بما تختزنه من توتر زلزالي قد يطرق الأبواب في أي لحظة، دون إذن مسبق.




