الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

ثلاثي الهري المقدّس: بين عبقرية الأمّ، طبابية الجارة، وصحافة البرميطة!

ضربة قلم

آه، يا لسخرية الزمن ويا لعبث الأقدار، ثلاثة صاروا خبراء في كل شيء، وكل واحدة منهن تحمل شهادة جامعية من جامعة “أنا أعرف أكثر منك” بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف في الثرثرة والتطفل والتنظير المجاني. أولاهن، تلك الأم التي بالكاد تعرف كيف تكتب اسمها دون أن تخلط بين الحروف، صارت فجأة خبيرة تربوية ومعمارية في هندسة المناهج التعليمية، بل وكأنها مستشارة وزارية في شؤون التعليم والتربية. تأتيك وهي تنفخ صدرها كبالون نفخه طفل في عيد ميلاده، وتقول لك بكل ثقة إن ابنها “ماشي غبي، لكن المدرسة اللي معارفاش تتعامل معاه”. طبعا، يا سيدة الكل، ابنك اللي كيعض أصحابه وكيصرخ في الفصل كأنه في بازار شعبي، هو ضحية النظام، والمشكلة ليست فيه، بل في الأستاذ الذي لم يستطع أن يستخرج عبقريته الكامنة. العبقرية التي – بالمناسبة – لا تظهر إلا في تكسير الزجاج والركض في الطابور الصباحي كأنه في سباق ماراثون.

ثم تأتيك تلك المرأة الأخرى، التي ما إن ارتفعت درجة حرارتها مرة حتى أصبحت دكتورة من العيار الثقيل، لا بل استشارية أمراض باطنية وصيدلانية في الوقت ذاته. تسألك إن كنت قد ذهبت للطبيب؟ فتقول لها: نعم. فتقول لك: “أوه! وعلاش؟ كنت قلت لي، أنا عندي وصفة مضمونة من عند العطار وخلطة جدتي، تقضي على الفيروس وتقوّي المناعة وتفتح الشرايين وتلمّ العيلة على بعضها أيضا”. تستخدم كلمات طبية لا تعرف معناها مثل “الضغط التفاعلي” و”الهيموغلوبين المتعفن”، وتفتي عليك وكأنها تكتب أطروحة دكتوراه في الطب البديل. وإذا حدث وقلت لها أن الطبيب وصف لك مضادًا حيويًا، فتنظر إليك بازدراء كأنك قتلت حضارة وتقول: “علاش أنت مازال كتاخذ مضادات؟ راها كتقضي على البكتيريا النافعة، هذه جريمة! ثم تسرد عليك قصصًا عن ناس “كانوا كيموتوا، وشربو نافع مغلي، وبقوا بحال الحصان”.

وأخيرا وليس آخرا، تأتيك البرميطة، نعم تلك التي كانت تقف خلف البار، تضع المكياج في غرفة مظلمة وتقدم المشروبات بابتسامة مدفوعة الثمن. وفجأة، مع تغيّر الريح وصعود موجة “خليك مؤثر”، لبست البدلة الرسمية (من محل خصم نهاية الموسم)، وأمسكت ميكروفونا مسروقا من حفلة زفاف، وصارت صحافية قد الدنيا. تصرخ في الكاميرا، تتحدث عن الفساد والمبادئ والنزاهة وكأنها خرجت للتو من حصة فلسفة أفلاطونية، بينما بالأمس فقط كانت لا تفرّق بين الخبر والتعليق، ولا تعرف الفرق بين “السبق الصحفي” و”السبق في طابور السندويتشات”. صارت تسأل أسئلة من نوع: “ما رأيك في الوضع الاقتصادي وهو يتدهور على مرأى ومسمع من الجميع؟” وتفتح عينيها كأنها تعرف الجواب، بينما هي لا تفرق بين التضخم والانتفاخ.

ثلاثة نماذج تتكاثر كالفطر في مجتمعاتنا، وكل واحدة تعيش وهم التفوق المعرفي وهي لا تعرف حتى كيف تُراجع أفكارها. هذا زمن العارفين بلا علم، والناصحين بلا تجربة، والمتكلمين بلا إذن. فيا صديقي، إذا وجدت نفسك يوما أمام إحدى هؤلاء، لا تحاول أن تقنعهن بخطئهن، فذلك كمن يحاول أن يعلم سمكة العوم. فقط ابتسم، وقل في سرك: “العلم نور، لكن بعض الناس اختاروا أن يعيشوا في عتمة الثقة بالنفس الزائدة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.