الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

ثلاث “درونات” تُرعب الحقول ببرشيد… والعدالة تُحاصر الأعشاب الضارة!

ضربة قلم

في دوار البهالة، حيث لا يُسمع عادة سوى أزيز الريح بين السنابل ونقاشات الفلاحين حول ثمن الشعير، دوّى هذا الأسبوع صوتٌ آخر: أزيز ثلاث طائرات “درون” تحلق فوق الحقول، لا لتصوير فيلم هوليوودي، ولا لرصد تحركات كائنات فضائية، بل لرش مبيدات على أعشاب ضارة قررت أن تتمرد على النظام الزراعي.

لكن، في مغربنا العزيز، حتى الأعشاب تحتاج إلى إذن مسبق قبل أن تُباد.

استنفر المركز الترابي للدرك الملكي بأولاد عبو عناصره، وتحركت السرية، وانتقلت السلطة المحلية، وكأن الأمر يتعلق بعملية إنزال جوي معادٍ، لا بعملية رش مبيد. ثلاث طائرات مسيرة تحلق فوق حقول دوار البهالة… يا للهول! كأننا أمام مناورة عسكرية في تخوم أولاد حريز.

الحكاية – كما تسربت من مصادر قريبة من الملف – بسيطة إلى حد البراءة: فلاح قرر أن يواكب العصر. لم يعد يريد حمل المضخة على ظهره، تحت شمس لا ترحم، ولا أن يغامر بصحته بين روائح المبيدات. فاستأجر خدمة رش عبر “درونات” من مقاولة متخصصة. خطوة تقنية، ذكية، سريعة… وربما متقدمة أكثر مما ينبغي.

غير أن التكنولوجيا، حين تسبق النصوص أو الإجراءات، تتحول من نعمة إلى حالة اشتباه.

وهكذا، تحولت السماء الفلاحية، إلى مسرح استنفار. انتقلت عناصر الدرك، رفقة ممثل السلطة المحلية إلى عين المكان، وتم حجز الطائرات الثلاث، التي تبلغ قيمتها حوالي 90 مليون سنتيم. مبلغ يكفي لشراء قطيع محترم من الأبقار، أو لبناء بيت قروي لائق، أو لتمويل مشروع فلاحي صغير… لكنه هنا أصبح قيمة “المحجوزات”.

النيابة العامة المختصة بابتدائية برشيد، دخلت على الخط، وأمرت بالحجز والاستماع إلى الفلاح والمسؤول عن “الدرونات”، مع منح مهلة لتسوية الوضعية القانونية، قبل تقديم مثل هذه الخدمات.

بعبارة أخرى: الأعشاب يمكن أن تنتظر… لكن القانون لا ينتظر.

المشهد يحمل شيئًا من المفارقة الساخرة. ففي زمن تتحدث فيه الاستراتيجيات الوطنية عن “الفلاحة الذكية” و”التحول الرقمي” و”الزراعة الدقيقة”، يجد فلاح بسيط نفسه، في مواجهة مسطرة قانونية، لأنه استعمل أداة تكنولوجية لتقليص الكلفة وحماية صحته وتسريع العمل.

كأن الرسالة غير المكتوبة تقول:
نعم للتحديث… لكن بخطوات محسوبة، وتصاريح مختومة، وموافقات متعددة النسخ.

المفارقة أن “الدرون” لم تكن تصور قصورًا ولا منشآت حساسة، ولم ترصد تحركات مشبوهة، بل كانت تطارد أعشابًا برية في صمت الحقول. ومع ذلك، تحولت العملية إلى ملف، يُستدعى فيه ممثل الحق العام، وتُحجز فيه معدات بملايين السنتيمات، ويُمنح فيه أجل لتسوية الوضعية.

قد يقول قائل إن القانون فوق الجميع، وأن تحليق الطائرات المسيرة يخضع لإطار تنظيمي دقيق، خصوصًا لما قد يطرحه من اعتبارات أمنية. وهذا صحيح. لكن في المقابل، تطرح الواقعة سؤالًا أكبر: هل مواكبة التطور التكنولوجي تتم عبر المواكبة والتأطير والتبسيط، أم عبر الحجز أولًا ثم البحث عن التسوية لاحقًا؟

في دوار البهالة، لم يكن هناك تهديد للأمن القومي، بل حرب صغيرة ضد الأعشاب الضارة. ومع ذلك، بدا وكأن السماء نفسها تحتاج إلى رخصة عبور.

الفلاح، الذي أراد فقط أن يختصر المسافة بينه وبين المستقبل، وجد نفسه يقطع مسافة أخرى نحو مقر الدرك لتقديم إفادته. والمسؤول عن “الدرونات” سيجد نفسه، مطالبًا بترتيب أوراقه القانونية، قبل أن يعود إلى التحليق… لكن هذه المرة ليس فوق الأعشاب، بل فوق كومة من الإجراءات.

القصة ليست فضيحة، وليست جريمة كبرى. إنها مشهد مغربي خالص:
تكنولوجيا تحلق بسرعة، ونصوص تلاحقها بخطى حذرة، وإدارة تحاول الإمساك بالعصر من جناحه، دون أن تفلت منه السيطرة.

أما الأعشاب الضارة… فهي الرابح المؤقت الوحيد في هذه الحكاية. فقد نالت هدنة غير متوقعة، بفضل استنفار كامل، لأن ثلاث “درونات” قررت أن تعمل في صمت فوق حقول أولاد حريز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.