الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

ثلاث نساء دفنتهن الجدران قبل أن تحميهن السياسات

ضربة قلم

في كل شتاء، نرفع أعيننا إلى السماء مترقبين الغيث، وندعو بأن يكون موسماً، للخير والزرع والفرج. لكن في بعض القرى والمداشر، يتحول المطر من بشارة إلى حكم بالإعدام المؤجل، لا لأن الطبيعة قاسية بطبعها، بل لأن الإنسان تعلّم أن يتعايش مع الخطر بدل أن يزيله.

انهيار منزل قروي بجماعة بني عروس بإقليم العرائش، صباح يوم الأربعاء، فوق ساكنيه ليس حادثاً عابراً، ولا خبراً محزناً، يُطوى في زاوية الصفحة. هو مرآة، تعكس واقعاً نعرفه جميعاً، ونتجاهله جميعاً: بيوت تُبنى فوق تربة رخوة، بلا دراسة، بلا حماية، وبلا خطة إنقاذ، عندما تقرر السماء أن تمتحن الأرض.

المطر لم يكن مفاجئاً. نشرات الطقس كانت واضحة، والتحذيرات كانت متداولة، والبرد، لم يهبط فجأة من كوكب آخر. المفاجأة الحقيقية، هي أن نكتشف، مرة أخرى، أن منازل كثيرة،ما زالت تُشيَّد كما تُشيَّد الأكواخ المؤقتة، ثم نتصرف وكأن الانهيار “قضاء وقدر” لا علاقة للبشر به.

هنا يبدأ السؤال المؤلم:
هل المشكل في السحب التي أمطرت، أم في الأرض التي تُركت بلا حماية؟
هل الخطر في المطر، أم في سنوات من التغاضي، عن بيوت معروفة بضعفها، ومسالك معروفة بخطورتها، وأودية معروفة بغضبها الموسمي؟

في القرى، لا يحتاج السكان إلى خرائط هندسية، ليعرفوا أن بيوتهم مهددة. يكفيهم أن يروا الشقوق في الجدران، وأن يسمعوا، صرير الخشب حين تتشبع الأرض بالماء. ومع ذلك، يعيشون داخلها، لأن البديل غير موجود، أو لأنه وُعد به ولم يأتِ، أو لأنه مؤجل إلى إشعار آخر.

وحين يقع الانهيار، تتحرك الآليات، وتُرفع الأنقاض، وتُلتقط الصور، وتُقال العبارات المعتادة: “تدخل سريع”، “تعبئة شاملة”، “فتح تحقيق”. لكن ما لا يُقال غالباً هو السؤال الأهم:
لماذا لم يكن التدخل، قبل سقوط الجدار، وقبل دفن الأجساد، وقبل أن يتحول بيت إلى قبر؟

نحن لا نواجه زلزالاً، ولا إعصاراً، ولا إعصاراً استثنائياً. نحن نواجه أمطاراً موسمية، يعرفها المغرب منذ قرون. الجديد ليس المطر، بل عدد الضحايا. الجديد ليس السيول، بل هشاشة البيوت. الجديد ليس الطبيعة، بل ضعف التحصين أمامها.

كل شتاء نكتشف الشيء نفسه:
أن البنية التحتية، تُجيد مقاومة الشمس، أكثر مما تُجيد مقاومة الماء.
وأن التخطيط العمراني، يعرف المدن، أكثر مما يعرف القرى.
وأن الوقاية، تُستعمل بعد الكارثة، أكثر مما تُستعمل قبلها.

المؤلم أن هذه الفواجع، لا تحدث في أماكن مجهولة. تحدث في مناطق معروفة، ومسجلة، ومصنفة ضمن العالم القروي الهش. لكنها، على ما يبدو، لا تدخل في خانة الاستعجال، إلا بعد أن تتحول إلى خبر عاجل.

نحن لا نحتاج إلى خطابات طويلة، عن “التغيرات المناخية” فقط، بل إلى قرارات قصيرة عن:
من يسكن في بيت مهدد؟
ومن يجب أن يُنقل، قبل أن يسقط السقف؟
وأين يجب أن يُمنع البناء، بدل أن يُرمم بعد الانهيار؟

الطبيعة لا تقتل وحدها. ما يقتل هو ترك الإنسان، وحيداً في مواجهة الطبيعة، داخل بيت أضعف من الريح، وعلى أرض أضعف من المطر، وفي منطقة لا تزورها، مشاريع السلامة، إلا بعد أن تزورها سيارات الإسعاف.

وربما أخطر ما في هذه المآسي، هو اعتيادنا عليها. أن نقرأ الخبر، نتألم قليلاً، ثم ننتقل إلى خبر آخر. وكأن الضحية ليست جارة لنا، ولا تشبهنا، ولا يمكن أن تكون نحن في شتاء قادم.

في النهاية، لسنا أمام حادث معزول، بل أمام سؤال مفتوح يتكرر كل عام:
هل نحن مستعدون للشتاء، أم أننا فقط ننتظره لنعدّ ضحاياه؟
هل نحارب السيول، أم نكتفي بعدّ المنازل التي سقطت بعدها؟
وهل نريد فعلاً، أن تكون الأمطار نعمة، أم نكتفي، بأن نصف المأساة بـ”حادث عرضي” ونغلق الملف؟

الشتاء لا يفاجئ أحداً. الذي يفاجئنا دائماً هو أننا، رغم كل ما وقع سابقاً، ما زلنا نُراهن على الحظ، أكثر مما نُراهن على الوقاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.