الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

جامعة القاضي عياض بمراكش بين الصمت والفضيحة: من يملك الجرأة على كشف الحقيقة؟

ضربة قلم

في الدول التي تحترم جامعاتها، يكفي مجرد تداول تسجيل صوتي مشبوه، منسوب لمسؤول جامعي حتى تهتز المؤسسات، وتتحرك لجان التحقيق، وتصدر البلاغات الرسمية، وتوضع الحقيقة أمام الرأي العام، في أسرع وقت ممكن. أما عندنا، فيبدو أن الصمت، أصبح تخصصاً جديداً يضاف إلى التخصصات الأكاديمية المعتمدة.

اليوم، لا يتحدث الناس عن بحث علمي رائد، ولا عن اختراع مغربي جديد، ولا عن تصنيف دولي مشرف لإحدى جامعاتنا. الحديث كله يدور حول تسجيل صوتي، يقال إنه يعود إلى مسؤول جامعي، وما تضمنه من كلام أثار صدمة واسعة داخل الأوساط الجامعية وخارجها.

المشكلة الحقيقية، ليست في التسجيل وحده. فالتسجيل قد يكون صحيحاً وقد يكون مفبركاً، وقد يكون مجتزأً أو محرفاً. لكن الكارثة الكبرى، تكمن في ذلك الفراغ الهائل الذي تتركه المؤسسات، حين تختار الصمت وتترك الشارع الرقمي، يحاكم ويصدر الأحكام وينصب المشانق الافتراضية.

الجامعة ليست مقهى شعبياً ولا مجموعة على واتساب. الجامعة مؤسسة، يفترض أنها تنتج المعرفة والقيم والنخب. وحين يصبح اسمها مرتبطاً بالتسريبات والفضائح أكثر من ارتباطه بالبحث العلمي، فهناك خلل عميق يتجاوز الأشخاص إلى طريقة التدبير نفسها.

الأخطر من ذلك أن المواطن المغربي، أصبح يسمع كل يوم تقريباً عن فضيحة جديدة في قطاع من القطاعات: مرة في الصحة، ومرة في الجماعات الترابية، ومرة في الرياضة، ومرة في التعليم. وكأننا أمام مسلسل لا يريد أن ينتهي، تتغير فيه الأسماء فقط، بينما يبقى السيناريو نفسه.

وإذا كان التسجيل صحيحاً، فإن الأمر لا يتعلق بزلة لسان أو خطأ عابر، بل بمسألة أخلاقية ومؤسساتية خطيرة، تستوجب ربط المسؤولية بالمحاسبة دون تردد أو حماية أو تبرير. أما إذا كان التسجيل مفبركاً أو مضللاً، فإن ذلك لا يقل خطورة، لأننا سنكون أمام عملية اغتيال معنوي تستهدف الأشخاص والمؤسسات معاً.

لهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: ماذا قيل في التسجيل؟ بل: لماذا لا نسمع الحقيقة من الجهات المخول لها قول الحقيقة؟

الرأي العام لا يحتاج إلى الشائعات. الرأي العام يحتاج إلى جواب واضح لا يحتمل التأويل. نعم أو لا. صحيح أو مزور. مسؤول أو بريء. أما سياسة دفن الرأس في الرمال فلم تعد تقنع أحداً.

لقد تعب المغاربة من لغة “سنرى” و”سندرس” و”سنتابع”. ما ينتظره الجميع هو التحقيق النزيه والشفاف، ونشر نتائجه كاملة، مهما كانت مؤلمة أو محرجة. لأن المؤسسات القوية لا تخاف من الحقيقة، بل تخاف من إخفائها.

ويبقى السؤال الأكثر إزعاجاً: كم من الملفات المشابهة ما زالت حبيسة الجدران، وكم من الأصوات لم تجد بعد طريقها إلى العلن؟

فحين تصبح الجامعة، مادة للفضائح بدل أن تكون مصنعاً للنخب، فإن الأمر لم يعد قضية شخص أو تسجيل أو منصب، بل قضية وطن بأكمله، يبحث عن من يعيد الاعتبار لمعنى المسؤولية والقدوة والاحترام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.