جبّ كبير… المدير وحيد… والمفتشون يستفيدون… والوزير يلوّح من بعيد!

ضربة قلم
منذ انطلاق مشروع “المدارس الرائدة” موسم 24/23، وقبل أن يجفّ حبر الشعارات، كان الجميع يعلم أن نجاح أي إصلاح يمرّ عبر الأرض لا عبر العروض… عبر المؤسسات لا عبر “الندوات”.
لكن المشروع وُلد متعباً، فاقداً للأكسجين، بلا عدّة ولا عتاد…
ومع ذلك، ظهر المفتشون – كعادتهم – في الصفوف الأمامية، يلوّحون بدورهم القيادي، ويرفعون شعار “نحن المشرفون على الجودة”.
ويا للمفارقة… كانوا أيضاً أول المستفيدين من تعويضات المشروع ومهامه.
إلى هنا… كل شيء “عادي”.
لكن غير العادي هو ما حدث يوم 16 نونبر 2025، حين ظهر بيان غاضب بلونٍ أحمر قانٍ، يتبرّأ فيه المفتشون من مؤشرات الفشل…
كأنّهم يقولون:
“لقد كنا في الطابق الأعلى من البناية وقت الانهيار… لكن اليد التي أمسكَت بالفأس ليست يدنا!”
ومن قال إن الفأس يحتاج إلى يد واحدة أصلاً؟
الوزير… ومدارس الخيال العلمي
ثم جاء الوزير بتصريحه الشهير:
“أجْلوا أبناءكم نحو مدارس أفضل!”
مدارس لا نعرف أين توجد… ولا هو يعرف.
تصريح يُشبه من ينصح الناس بالسباحة في بحر لا ماء فيه.
لا شيء أوضح من ذلك:
الضباب لم يعد يغطّي الإصلاح فقط… بل غطّى أصحاب الإصلاح أنفسهم.
الإصلاح اللغوي: كوميديا بلغة أجنبية
ولعلّ من أكبر عناوين العبث الكبرى، قرار تدريس المواد العلمية بالفرنسية بأساتذة درسوا المواد نفسها بالعربية.
كأنك تقول لسائق تاكسي لم يغادر مدينته قط:
“غداً ستنقل السياح إلى طوكيو… استعن بخرائط غوغل!”
إنه ليس إصلاحاً…
بل عرض مسرحي يستبلد المواطنين، وتؤديه الوزارة بوجه جاد.
وهنا بالضبط… يجب أن نتوقف عند المديرين.
المدير… ذلك الجندي الذي يدفع ثمن حرب لم يعلنها
في وقتٍ يتراشق فيه أصحاب المكاتب بالتقارير، ويتبادلون المواقع والمسؤوليات، هناك شخص واحد كان وما يزال واقفاً وسط ساحة المعركة:
المدير.
المدير هو الذي استقبل المشروع عند باب المؤسسة،
وهو الذي واجه أولياء الأمور حين تعطّل الفهم،
وهو الذي تسلّم المذكرات العاجلة،
وهو الذي حاول “ترقيع” أعطاب مدرسة لا تملك حتى نصف ما تحتاجه لتسمّى “رائدة”.
بينما المفتش يزور المؤسسة ساعة،
المدير يقضي فيها يومه.
بينما المفتش يحرّر تقريراً،
المدير يحرّر سلسلة تقارير تستهلك مساءاته.
بينما المفتش يشتكي من غياب الإمكانات،
المدير يشتري الطباشير من جيبه الخاص.
والأجمل – والأقسى – أن كل فشل تربوي يتم إلصاقه تلقائياً بالمدير،
بينما كل نجاح يتم اقتسامه بين الوزارة والمفتشية والأكاديمية…
والمدير يُترَك خارج الصورة، مثل مصوّر حفلة زفاف لا يظهر في الصور
أما المفتشون… فحديثهم شيء وواقعهم شيء آخر
نحن لا ننكر أهمية المفتش التربوي،
ولا ننكر دوره في المواكبة والتقويم،
لكن لا يمكن تجاهل هذه المفارقة الكبرى:
ظلّوا، طيلة سنتين، في مقدمة المستفيدين من المشروع،
ثم ظهروا اليوم في مقدمة المتنصلين منه.
وهنا، السخرية لا تأتي من الكلام…
بل من التناقض نفسه.
البيان الصادر يوم 16 نونبر يقدّم المفتشين كأنهم
“ضحايا مشروع فشل خارج إرادتهم”…
مع أنهم كانوا جزءاً من تصميمه، وتنزيله، وتتبعّه، وتكوينه، وتقويمه.
الطريف أنّ البيان مكتوب بلغة من يبحث عن مخرج أنيق قبل أن يُغلق الستار.
لا يوجد ما هو ألطف من تبرّؤ راقٍ…
يأتي بعد الاستفادة الكاملة!
الخلاصة: مدير يُقاتل بصمت… ومفتش يصرخ من بعيد
إذا كان المشروع فاشلاً،
فالمدير هو أول من اكتشف ذلك،
وأول من نبه إليه،
وأول من تحمّل كلفته.
وإذا كان المشروع ناجحاً،
فالمفتش سيعلن أنه من ثمار “التأطير والمواكبة”.
وهكذا، يبقى المدير الرجل الوحيد الذي لا يُكافئه أحد… ولا يدافع عنه أحد… ولا يتنصل هو من مسؤولياته.
باختصار:
لو كان الإصلاح تمثالاً، لوُضع على كتفي المدير…
ولو كان الفشل حفرة، لوقع فيها المدير وحده.
ضحايا الإصلاح… حين يتحوّل القسم إلى غرفة إنعاش
وسط هذه الضوضاء التي يصنعها “الخبراء” و”المواكبون” و”حاملو التفويضات”، هناك شخصان لا صوت لهما في كل هذا الصراخ:
الأستاذ… والتلميذ.
الأستاذ: المبدع الذي تحوّلت يداه إلى مكابح
الأستاذ اليوم يشبه فناناً موهوباً طلبوا منه الرسم… ثم أخذوا منه الألوان.
طلبوا منه الإبداع… ثم أغرقوه في المذكرات.
طلبوا منه التدريس… ثم قسّموه بين “التجويد” و”التتبع” و”التقويم” و”المشروع” و”البيداغوجيا الجديدة” و”الرقمنة” و”إدخال البيانات”.
أستاذ يُحمَّل ما لا طاقة لبشر به،
وما أن ينتهي من إنهاء تقرير،
حتى يصله تقرير آخر يطلب منه تقريراً حول التقرير الأول.
في النهاية، يُصبح الإبداع رفاهية…
وحماس القسم يتحول إلى شعلة صغيرة تنتظر أي نسمة لتختفي.
حتى ذلك الشعور السامي، الشعور بأن التعليم “رسالة”…
أصبح يُنافسه شعور آخر: التعب، الإنهاك، والإحباط.
أستاذ كان يدرّس بقلبه… فأصبح يدرّس رغم قلبه.
التلميذ: ذلك الكائن التجريبي الذي يمشي مرة مشية الحمام… ومرة مشية الغزال
أما التلميذ، فهو الضحية التي لم يلتفت إليها أحد.
مرة نُعلّمه العربية لأنها “لغة المستقبل”،
ثم نعود لنقول له الفرنسية لأنها “لغة العلم”،
وغداً سنقف أمامه لنقول له:
“خذ الإنجليزية… فقد تبين لنا بعد خمسين سنة أنها مهمة.”
التلميذ عندنا مثل ممثل في عرض مسرحي، يُبدَّل له السيناريو كل نصف ساعة.
مرة نعلّمه “مشية الحمام” في الرياضيات،
ومرة “مشية الغزال” في العلوم،
وفي اللحظة التي يظن فيها أنه أتقن المشيتين…
تخرج مذكرة جديدة تفرض عليه “مشية القرد”،
ثم أخرى تطلب العودة إلى “مشية السلحفاة”.
وهكذا لم يعد يعرف كيف يمشي…
ولا أين يتجه…
ولا لماذا نطلب منه كل هذا العبط التعليمي.
الخلاصة المؤلمة:
- أستاذٌ مُنهك فقد جزءاً كبيراً من طاقته،
• تلميذٌ ضائع فقد بوصلة التعلم،
• مديرٌ يقاتل وحيداً،
• ومفتشٌ يتنصل من السفينة بعد أن استفاد من الرحلة.
أما الوزارة فكلما سقط جدار،
تخرج ببلاغ تقول فيه:
“الركن الذي سقط لم يكن جزءاً من الإصلاح… كان فقط يمرّ بجانبه.”




