جدل واسع في المغرب بعد دمج “كنوبس” في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي: هل أرغمت المكتسبات على التنازل؟

ربة قلم
في انتكاسة جديدة للمكاسب الاجتماعية، التي ظلت تُعتبر من أبرز مكتسبات نظام الحماية الاجتماعية في المغرب، أثار القرار الحكومي الأخير القاضي بنقل تدبير التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص، بموظفي القطاع العام من الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (كنوبس) إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، موجة من الانتقادات والقلق العميق، لدى الأوساط النقابية، والعاملة في القطاع العام، بل وصل الجدل إلى الرأي العام بشكل أوسع.
هذا القرار الذي صُوّت عليه في البرلمان، وبرّرته الحكومة بـ أهداف الإصلاح والتوحيد في إدارة التأمين الصحي، لم يستحضر، بحسب منتقديه، الحقوق المكتسبة التي طال انتظارها، والتعويضات التي اعتُبرت جزءًا من المنظومة الاجتماعية المتوازنة. بينما ذهبت الحكومة إلى التأكيد أن العملية، ستتم بسلاسة ولن تؤثر على الخدمات، إلا أن الواقع الميداني يُظهر خلاف ذلك.
مكتسبات تهدد بالتقهقر… وأعباء تلوح في الأفق
منذ أيام، ساد شعور بالغضب لدى موظفين ومستخدمين داخل الإدارات العمومية، بعدما تبين أن قيام الصندوق الجديد بتدبير ملف التأمين الصحي، لا يشمل آليات واضحة، لحماية ما كان محققًا سابقًا في “كنوبس” من منافع وتعويضات. هذا يشمل:
-
تجميد أو تأجيل صرف بعض التعويضات المتفق عليها سابقًا، وهو ما تسبب في ارتفاع منسوب الشكاوى داخل الأقسام الإدارية والمدارس والمصالح.
-
مزايا إضافية كانت تُمنح في إطار نظام “كنوبس” قد لا تنتقل تلقائيًا إلى النظام الجديد، وهو ما خسّر بعض الفئات التي اعتمدت على تلك المزايا في تغطية احتياجات أساسية.
-
ارتفاع في تكاليف العلاج لبعض الفئات الضعيفة بسبب اختلاف سقوف الخدمات بين نظام وآخر، ما يضع الموظف والمواطن العادي في حالة ترقب قلقة.
هذه التطورات دفعت بعشرات من المنخرطين إلى التعبير عن شعورهم بأن المكتسبات تُستنزف أكثر مما تُحفظ، وأن الجهات المسؤولة، لم تتحمل مسؤولياتها في توضيح الجدوى الحقيقية، من هذا الانتقال، وما إذا كانت هناك تعويضات مستقبلية ستُعوض النقص في الحقوق.
احتقان سياسي ونقابي يتصاعد
على المستوى السياسي، أثار القرار انقسامات واسعة داخل لجنة الشؤون الاجتماعية في البرلمان، حيث كانت هناك مطالب قوية، لفتح حوار وطني مسبق قبل إقرار المشروع، بينما اعتبر آخرون أن الأمر تمّ “بشكل مفاجئ ومن دون مواكبة شاملة”.
النقابات التعليمية والصحية والاجتماعية، أعربت بدورها عن رفضها أي تراجع عن المكتسبات المتفق عليها سابقًا، وحذرت من أن الانتقال السريع، دون ضمان انتقال الحقوق قد يُفضي إلى:
-
ضغوط اجتماعية واسعة لدى الموظفين والعاملين في القطاع العام.
-
احتقان في الأقسام والإدارات ينعكس سلبًا على جودة الخدمات.
-
فقدان الثقة في المنظومة التأمينية لدى الفئات الأكثر هشاشة.
وأعلنت بعض الهيئات، عن استعدادها لخوض أشكال احتجاجية وتصعيدية، إن لم يتم فتح حوار جاد، يضمن عدم المساس بأي من مكاسب الأطر والمتقاعدين والمستفيدين.
تبعات على المواطن البسيط
بعيدًا عن المشهد السياسي، هناك تأثيرات واقعية، بدأت تظهر على مستوى المواطنين، خاصة أولئك الذين كانوا يعتمدون التأمين الصحي في “كنوبس” لضمان مواكبة طبية شاملة، من بينهم:
-
مرضى مزمنون يعتمدون على تغطية واسعة، والذين عبروا عن خوفهم من أن نظام CNSS قد لا يوفر نفس السقف التغطياتي.
-
أولياء أمور الطلبة والموظفين الجدد الذين يواجهون غموضًا، في كيفية استفادتهم من التغطية الجديدة.
-
أشخاص في وضعيات وظيفية غير مستقرة لا تزال ملفاتهم عالقة، وقد يجدون أنفسهم بين منظومتين غير مترابطتين.
هذه المخاوف تتزايد مع استمرار غياب آلية شفافة توضح كيفية الانتقال، من نظام إلى آخر، وكيفية ضمان استمرار الحقوق دون نقصان.
حالة من الغموض التنظيمي والإداري
إحدى أبرز نقاط الانتقاد التي طالت هذا القرار هي غياب التخطيط الواضح والمرحلي، حيث لم تتضح بعد:
-
الآليات الدقيقة التي من شأنها حماية الحقوق المتراكمة في “كنوبس”.
-
كيفية معالجة الفوارق بين نظام وآخر في التعويضات الخاصة ببعض الخدمات الصحية.
-
تأثير الانتقال على موارد الصندوق الجديد والتوازن المالي على المدى المتوسط، خاصة في ظل أزمات مالية تواجه أنظمة الضمان الاجتماعي عالميًا.
هذا الغموض، أعطى مساحة للخطاب السياسي المتشائم والمتشنّج، ما عمّق الاحتقان بين موظفي القطاع العام، والهيئات النقابية التي طالبت بـ إعادة النظر في المشروع وتأجيل التنفيذ، لحين ضمان انتقال الحقوق دون ضياع.
بين الإصلاح والارتباك: سؤال المشروع وضرورته
النقاش المفتوح الآن لم يعد فقط حول “هل سينتقل التأمين إلى CNSS؟”، بل تحوّل إلى سؤال أعمق:
-
هل سيؤدي هذا التغيير إلى تحسين الخدمات وتوسيع التغطية الصحية بكفاءة أكبر؟
-
أم أنه يوطّد وضعًا يؤدي إلى إضعاف المكتسبات، وتحميل الموظف والمواطن أعباء إضافية على الخدمات والتكاليف الصحية؟
-
وهل هناك آليات واضحة للمراقبة وتقييم النتائج على المدى المتوسط والطويل؟
الجواب على هذه الأسئلة، لم يتضح بعد، وهو ما يجعل الكثير من الموظفين، والمواطنين في حالة ترقب وترقّب، في انتظار أن تُكشف الحكومة والأطراف المعنية عن خارطة طريق واضحة تُطمئن الجميع.
خلاصة الحالة الراهنة
تُظهر المستجدات أن نقل تدبير التأمين من “كنوبس” إلى CNSS لم يكن مجرد تغيير تنظيمي، بل محطة فاصلة تثير أسئلة عميقة حول مستقبل الحماية الاجتماعية في المغرب. ما سبق من تحفظات ورصد للمخاوف يؤكد أن:
-
هناك قلق حقيقي من الإجهاض التدريجي للمكتسبات الاجتماعية في غياب ضمانات واضحة.
-
الأطر النقابية والموظفون لا يزالون يطالبون بـ حوار وتصحيح المسار لضمان انتقال الحقوق.
-
المواطن البسيط ينتظر إيضاحات عاجلة حول تأثير التغيير على الخدمات التي كان يعتمد عليها منذ سنوات.




