الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعسياسة

جمال العثماني، أحد المغاربة المطرودين من الجزائر: الأبارتيد الشقيق.. شهادة من الجحيم عن اقتلاع عشرات الآلاف سنة 1975

حاوره: محمد صابر

في زوايا الذاكرة التي لا يصلها النسيان، حيث تختلط الطفولة بملامح الفقد، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى شواهد على زمنٍ لم يُنصف أصحابه، تنبثق حكاياتٌ لا تُروى من باب السرد فقط، بل من باب الشهادة. هناك، حيث يتقاطع الخاص بالعام، والذاتي بالجماعي، يبرز اسم جمال العثماني كصوتٍ اختار أن يواجه الصمت بالكلمة، وأن يحوّل الجرح إلى معنى، والذاكرة إلى نصّ يقاوم الاندثار.

ليست هذه مجرد سيرة كاتب، ولا حكاية فردٍ عبر محطات الحياة بشكل عادي، بل هي رحلة إنسان تشكّلت ملامحها في لحظة مفصلية من التاريخ، لحظة لم تكن عابرة ولا قابلة للنسيان، بل أعادت رسم المسار من جذوره. من طفولة هادئة في مدينة صغيرة غرب الجزائر، إلى تجربة اقتلاع قسري غيّرت كل شيء، تتكوّن ملامح حكاية، تختزل في عمقها جزءًا من ذاكرة جماعية أوسع، ما تزال تبحث عن الاعتراف والإنصاف.

في هذا الحوار، لا نستمع فقط إلى أجوبة جاهزة، بل نقترب من تجربة إنسانية مركّبة، تُطرح فيها الأسئلة بقدر ما تُقدَّم الإجابات. تجربة تعيد فتح ملفات ظلت طويلًا على هامش النقاش، وتضع القارئ أمام تساؤلات، تتجاوز الشخص إلى التاريخ، وتتجاوز الحدث إلى المعنى.

من هو جمال العثماني بعيدًا عن العناوين؟ كيف تتشكل هوية طفل حين يُقتلع من مكانه؟ وكيف يمكن للألم، أن يتحول إلى مشروع كتابة، وإلى ذاكرة تقاوم النسيان؟ ثم، كيف يُمكن لحكاية شخصية أن تتحول إلى مدخل لفهم واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية؟

أسئلة كثيرة تُفتح في هذا اللقاء، ليس بهدف استعادة الماضي فقط، بل لمحاولة فهمه، ومساءلته، وربما إعادة كتابته من زاوية الإنسان… لا من زاوية السياسة وحدها.

س: بدايةً، نود أن نتعرف عليك أكثرمن هو جمال العثماني بعيداً عن العناوين؟

ج: بعيدًا عن الألقاب الرنانة، جمال العثماني هو ابن عائلة مغربية كانت تقطن بحمام بوحجر، تمارس التجارة ومآرب أخرى، وكانت تنعم بالأمان قبل أن تنقلب حياتها بين عشية وضحاها إلى ما لم يكن في الحسبان.

وُلدتُ في تلك المدينة الصغيرة، غرب الجزائر، حيث كانت البدايات بسيطة… لكنها عميقة الأثر. هناك، بين أزقة هادئة ووجوه مألوفة، تلقيتُ أولى دروسي، ليس فقط في فصول المدرسة، بل في مدرسة الحياة أيضًا. (أنظر الصورتين اللتين توثّقان مرحلتين من طفولتي، حيث البراءة كانت اللغة الوحيدة، والأحلام أكبر من كل الأسئلة).

في تلك الربوع، خطوتُ أولى خطواتي الدراسية، فتابعتُ تعليمي الابتدائي وسنتين من المرحلة الإعدادية، وكانت تلك السنوات بمثابة التربة الأولى التي تشكّلت فيها ملامح وعيي، حيث بدأت أُدرك الأشياء بحدسي الطفولي، وأطرح أسئلتي الأولى على العالم من حولي.

غير أن الزمن، كعادته، لا يكتفي بما يمنح… بل يدفعنا لاكتشاف المزيد. ومع مرور السنوات، بدأت تتسع رؤيتي، واكتشفتُ أن العالم أكبر بكثير من تلك المدينة الصغيرة، وأكثر تعقيدًا مما كنت أتصور، وأن ما عشته هناك، رغم بساطته، كان اللبنة الأولى في بناء إنسانٍ يسعى للفهم، ويواصل رحلته في البحث عن المعنى.

جمال العثماني، أحد المغاربة المطرودين من الجزائر: الأبارتيد الشقيق.. شهادة من الجحيم عن اقتلاع عشرات الآلاف سنة 1975

في حمام بوحجر عشت تفاصيل الطفولة بكل ما تحمله من بساطة وعمق، من الطقوس العائلية إلى اللحظات التي تترك أثرًا دائمًا… فيها كان ختاني وعقيقتي، وفيها تم عرس أمي وأبي. كما كانت الفضاء الذي بدأت فيه أطرح أسئلتي الأولى حول التغير والتحولات التي تصنع مصائر الناس.

بكلمة واحدة، أنا نتاج تلك البيئة: بكل ما فيها من دفءٍ ظاهر، وتناقضاتٍ خفية. ومن هناك بدأت الرحلة… رحلة البحث عن المعنى، وعن مكانٍ لا تُصادر فيه الأحلام بسهولة.

س: أين كانت نشأتك الأولى؟ وكيف تصف طفولتك قبل لحظة الطرد؟

ج: نشأتي الأولى كانت في حمام بوحجر… مدينة تبدو هادئة على الخريطة، تقع بين مفترق طرق غرب الجزائر، قريبة من البحر ومتصلة بمدن كبرى مثل وهران وسيدي بلعباس، لكنها في العمق كانت عالماً مغلقًا بتفاصيله الخاصة . هناك لا تُقاس الحياة بالمسافات، بل بما يختزنه الإنسان من تجارب مبكرة، بعضها أكبر من سنّه.

كنت طفلًا عاديًا… أو هكذا بدا الأمر في البداية. طفل ينتمي إلى عائلة كبيرة مكونة من تسعة أفراد، حيث الضجيج اليومي ليس فوضى، بل شكل من أشكال الحياة. في ذلك البيت، لم تكن الخصوصية خيارًا، بل كان التقاسم هو القاعدة: تقاسم الخبز، الضحك، وحتى الحزن.

لكن الطفولة عندي لم تكن بريئة بالكامل… كانت مشوبة بأسئلة مبكرة، وبإحساس خفي بأن شيئًا ما غير مستقر. كنت أراقب أكثر مما أعيش، وأفهم أكثر مما ينبغي لطفل في مثل سني. وربما لهذا السبب، حين جاءت لحظة الطرد في سن الثالثة عشرة والنصف، لم تكن صدمة مفاجئة بقدر ما كانت سقوطًا متوقعًا… كأن الأرض كانت تهيئني لذلك منذ البداية.

ذلك الطفل الذي طُرد… لم يغادر وحده، بل حمل معه كل شيء: ذاكرة بيتٍ مكتظ، تفاصيل مدينة صغيرة، وأثر أخت كبرى وتخاريف جدته “حنة يامنة” التي لم تكن مجرد اسم في العائلة، بل تحولت لاحقًا إلى رمز… إلى واجهة كتاب، وإلى سؤال مفتوح أكثر منه جوابًا.

ما كتبته باسمها، وما وضعته على الغلاف، لم يكن اختيارًا أدبيًا بريئًا، بل كان محاولة لإعادة طرح الحكاية من زاوية مختلفة: ماذا يحدث لطفل يرى أكثر مما يجب؟ ماذا يبقى فيه بعد أن يُقتلع من محيطه؟ وماذا يفعل بكل ما اختزنه من مشاهد، من وجوه، من صمتٍ طويل؟

ببساطة… طفولتي لم تنتهِ عند الطرد، بل بدأت هناك.
ومنذ تلك اللحظة، لم أعد أبحث عن مكان أنتمي إليه… بل عن معنى لما حدث.

س: كيف أثرت تجربة الطرد من الجزائر سنة 1975 في مسارك الشخصي والمهني؟

ج: تجربة الطرد سنة 1975 لم تكن مجرد حدث عابر في حياتي، بل كانت زلزالًا وجوديًا، أعاد تشكيل كل شيء… من نظرتي لنفسي، إلى فهمي للعالم، وصولًا إلى اختياراتي المهنية لاحقًا. نحن لا نتحدث هنا عن انتقال جغرافي بسيط، بل عن اقتلاع قسري لطفل في الثالثة عشرة والنصف من جذوره، ومن ذاكرته الأولى، ومن إحساسه البدائي بالأمان.

في تلك اللحظة، لم أفقد مكانًا فقط… فقدت الإحساس بالثبات. فجأة، يصبح البيت فكرة لا عنوانًا، وتتحول الهوية إلى سؤال مفتوح بدل أن تكون جوابًا جاهزًا. هذا التحول المبكر جعلني أعيش بنوع من الوعي القاسي: وعي أن كل شيء قابل للزوال، وأن الاستقرار ليس معطى دائمًا، بل استثناء.

شخصيًا، خلقت فيّ تلك التجربة إنسانًا لا يثق بسهولة في المسلّمات، ولا يطمئن للظاهر. صرت أميل إلى قراءة ما وراء الأحداث، إلى تفكيك الخطابات، وإلى البحث عن الحقيقة في التفاصيل الصغيرة التي يتجاهلها الآخرون. كان الطرد،  مدرسة مبكرة في الفهم العميق للواقع، حتى وإن كان ثمنها باهظًا نفسيًا.

أما مهنيًا، فقد كان لهذا الحدث أثر مباشر في اختياراتي. لم أكن أبحث عن مهنة، بقدر ما كنت أبحث عن وسيلة للتعبير… عن أداة أستعيد بها صوت ذلك الطفل الذي طُرد دون أن يُسأل. لذلك، كان القلم هو الملاذ. الكتابة لم تكن ترفًا، بل كانت ضرورة: محاولة لترتيب الفوضى الداخلية، ولمساءلة ما حدث، ولإعطاء معنى لما بدا عبثيًا.

تجربة الطرد، دفعتني أيضًا نحو القضايا الإنسانية والحقوقية، لأنني عشت الإحساس بالهشاشة من الداخل. حين تُقتلع من مكانك، تدرك أن الكرامة ليست شعارًا، بل تجربة يومية يمكن أن تُسلب في لحظة. ومن هنا، أصبح الدفاع عن الإنسان  -أي إنسان- امتدادًا طبيعيًا لمساري، وليس مجرد اختيار فكري.

ورغم قسوة التجربة، فإنها منحتني شيئًا نادرًا: القدرة على الوقوف من جديد. الطرد كسر شيئًا في داخلي، نعم… لكنه في المقابل خلق صلابة مختلفة، صلابة من يعرف أن السقوط ممكن، لكنه ليس النهاية.

باختصار، سنة 1975 لم تكن نهاية مرحلة فقط، بل كانت بداية مسار كامل… مسار تشكّل من الألم، لكنه اختار أن يتحول إلى وعي، ومن الصدمة، لكنه أصرّ أن يصير معنى.

س: كيف تصف ما وقع سنة 1975، وأنت تستحضر واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية… كيف تروي تفاصيل هذه الجريمة الإنسانية، خاصة في ظل ما رافقها من طرد جماعي لعشرات الآلاف من العائلات المغربية، بينهم من قدّم تضحيات جسامًا في حرب التحرير الجزائرية وساهم في بناء اقتصادها؟

ج: حين يُستعمل تعبير “الأبارتيد الشقيق”، فليس القصد إثارة الانتباه المجاني أو الانزلاق نحو المبالغة، بل محاولة توصيف واقع مؤلم بصيغة صادمة، لأن ما حدث ترك جرحًا غائرًا في الذاكرة الجماعية لا يُمحى بسهولة. إن ما وقع سنة 1975، والذي يُعرف بـطرد المغاربة من الجزائر 1975، لم يكن مجرد إجراء إداري أو قرار سياسي عابر، بل كان عملية اقتلاع جماعي ممنهجة، استهدفت عشرات الآلاف من العائلات المغربية، التي كانت مستقرة هناك منذ سنوات، بل ومنهم من وُلد وعاش كل حياته على تلك الأرض.

لقد جاء هذا الحدث في سياق إقليمي متوتر، لكنه تجاوز كل الأعراف الإنسانية، حيث تم ترحيل أسر كاملة بشكل مفاجئ، وفي ظروف قاسية، دون تمكينها من جمع ممتلكاتها أو حتى توديع جذورها الاجتماعية. تحولت لحظة واحدة إلى فاصلة حادة بين ماضٍ مستقر وحاضر مجهول، فانكسرت الروابط، وتشتتت العائلات، وضاعت سنوات من الكدح والعمل.

وإذا كان التاريخ يُكتب أحيانًا بلغة الأرقام، فإن هذا الحدث تحديدًا، يُقرأ بلغة الألم الإنساني: أطفال اقتُلعوا من مدارسهم، نساء فقدن استقرارهن، ورجال وجدوا أنفسهم فجأة بلا أرض ولا مورد. لذلك، فإن استحضار هذا الوصف، لا يرمي إلى تأجيج الذاكرة بقدر ما يسعى إلى إنصافها، وإلى تذكير الأجيال، بأن ما وقع لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل تجربة إنسانية قاسية تستحق الاعتراف والتأمل.

ما حدث سنة 1975، والذي يُعرف تاريخيًا بـطرد المغاربة من الجزائر 1975، لم يكن مجرد إجراء سياسي ظرفي، بل شكّل واحدة من أكثر المحطات قسوة في تاريخ العلاقات بين المغرب والجزائر. فقد اتخذ طابعًا جماعيًا ومفاجئًا، حيث تم ترحيل عشرات الآلاف من العائلات المغربية في ظرف وجيز، دون تمهيد أو مراعاة للروابط الإنسانية والاجتماعية، التي كانت تجمعهم بالمجتمع الجزائري.

هذا الحدث جاء في سياق إقليمي متوتر، تزامن مع المسيرة الخضراء، لكنه تجاوز حدود ردّ الفعل السياسي، ليتحوّل إلى عملية اقتلاع بشري واسعة. المتضررون لم يكونوا مجرد مقيمين عابرين، بل عائلات استقرت لعقود، وساهمت في بناء الاقتصاد الجزائري، وشاركت حتى في دعم حرب التحرير الجزائرية، سواء عبر المقاومة أو الإسناد اللوجستي.

الطرد، في تفاصيله، حمل طابعًا إنسانيًا صادمًا: ترحيل قسري، تفكيك للأسر، فقدان للممتلكات، وغياب تام لأي ضمانات قانونية أو إنسانية. لم يكن هناك تمييز بين الفئات؛ الجميع وجد نفسه فجأة خارج المكان الذي اعتبره وطنًا لسنوات طويلة. وزاد من رمزية الألم أن هذه العملية، تزامنت مع عيد الأضحى، ما جعل لحظة يفترض أن تكون للفرح، تتحول إلى ذكرى جماعية للمعاناة والانكسار.

وصف هذه الأحداث بـ”الأبارتيد الشقيق” يعكس هذا التناقض المؤلم: بين روابط الأخوة والتاريخ المشترك من جهة، وممارسات الإقصاء الجماعي من جهة أخرى. فهو ليس فقط طردًا جسديًا، بل محاولة لمحو ذاكرة كاملة من التعايش والمساهمة المشتركة.

الأثر لم يكن آنياً فقط، بل امتد لسنوات طويلة، حيث خلف جروحًا نفسية واجتماعية عميقة، وما زال هذا الملف إلى اليوم عالقًا بين الذاكرة والتاريخ والسياسة. ورغم حجمه، لم يحظَ بما يكفي من التوثيق أو الاعتراف الرسمي أو المعالجة الحقوقية الشاملة، سواء على مستوى التعويض أو حتى الإقرار الرمزي بما حدث.

في العمق، هذا الحدث يطرح سؤالًا أكبر: كيف يمكن للشعوب أن تتجاوز ماضيًا مؤلمًا دون مواجهته؟ لأن تجاهل مثل هذه الصفحات لا يمحوها، بل يتركها مفتوحة في الذاكرة الجماعية، قابلة للعودة كلما غاب النقاش الصريح والإنصاف التاريخي.

اليوم، وبعد مرور عقود، ما يزال هذا الملف عالقًا بين المغرب والجزائر، دون معالجة كاملة من حيث الاعتراف أو الإنصاف أو التوثيق. وهو ما يجعل استحضاره ضرورة، ليس من باب استدعاء الألم فقط، بل من أجل مساءلة التاريخ، لأن الجراح التي لا تُفتح للنقاش، تظل قابلة لأن تتكرر بأشكال مختلفة.

س: كيف تحوّلت تجربة شخصية مؤلمة إلى دافع نحو الكتابة والتأليف، وما الدور الذي لعبه القلم في مواجهة تلك المرحلة؟

جمال العثماني، أحد المغاربة المطرودين من الجزائر: الأبارتيد الشقيق.. شهادة من الجحيم عن اقتلاع عشرات الآلاف سنة 1975

ج: الانتقال من الألم إلى الكتابة، لم يكن اختيارًا بسيطًا أو قرارًا واعيًا في لحظة هدوء، بل كان أشبه بردّ فعل وجودي أمام تجربة قاسية هزّت التوازن الداخلي. في مثل هذه اللحظات، يجد الإنسان نفسه أمام خيارين: إما الانكسار تحت وطأة الصدمة، أو تحويل هذا الألم إلى طاقة تعبير، تمنحه القدرة على الاستمرار. وهنا تحديدًا، تصبح الكتابة أكثر من مجرد فعل إبداعي… تتحول إلى ضرورة.

بالنسبة لي، كانت الكتابة ملاذًا حقيقيًا، وربما المنفذ الوحيد الذي حال دون السقوط في الصمت القاتل. لم أكن أكتب لأحكي فقط، بل لأفهم ما حدث، ولأعيد ترتيب الفوضى التي خلّفتها التجربة داخلي. القلم لم يكن أداة، بل كان وسيلة نجاة، وصوتًا حين بدا أن كل الأصوات الأخرى قد خفتت.

لقد استُخدم هذا القلم كصرخة في وجه من تسببوا في الألم، وعلى رأسهم هواري بومدين، المعروف بلقب “بوخروبة”، ومن سار في فلكه. لم تكن الكتابة هنا بدافع الانتقام، بل بدافع التعرية: تعرية الممارسات، وكشف الوجوه التي حاولت الاختباء خلف الشعارات، وتقديم رواية مضادة لذاكرة كادت أن تُطمس أو تُشوَّه.

الكتابة في هذا السياق، تصبح فعل مقاومة هادئة لكنها عميقة. فهي لا تواجه العنف بالعنف، بل تواجهه بالكلمة، بالحجة، وبالذاكرة. إنها محاولة لاسترجاع الكرامة المسلوبة، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل أيضًا باسم كل من عاشوا نفس التجربة ولم تتح لهم فرصة التعبير.

ومع مرور الوقت، لم تعد الكتابة مجرد تفريغ للألم، بل تحولت إلى مشروع توثيقي وفكري. صارت وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية، ولضمان ألا تتحول تلك المعاناة إلى مجرد هامش في التاريخ. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الألم، هو النسيان.

في النهاية، يمكن القول إن التجربة المؤلمة لم تُلغِ صاحبها، بل أعادت تشكيله. والكتابة كانت الجسر الذي عبر به من موقع الضحية الصامتة إلى موقع الشاهد الذي يكتب، يوثّق، ويسائل، رافضًا أن يُترك الماضي بلا معنى أو مساءلة.

س: ما هي الدوافع التي جعلتك توثّق تجربة الطرد والمعاناة في كتابيك “قرارة الخيط” و”تخاريف “حنة يامنة”؟

ج: لم يكن توثيق هذه الذاكرة في قرارة الخيط وتخاريف حنة يامنة مجرد مشروع أدبي، بل كان استجابة داخلية ملحّة لجرح لم يندمل. فالتجربة التي عشتها، كواحد من ضحايا الطرد الجماعي سنة 1975، لم تكن حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه بالنسيان، بل كانت زلزالًا إنسانيًا أعاد تشكيل حياتي وذاكرتي.

في البداية، جاءت قرارة الخيط كنوع من البوح الشخصي، محاولة لفهم ما حدث واستيعاب آثاره. كانت سيرة ذاتية تستعيد تفاصيل التهجير القسري، وما رافقه من تشتيت للعائلات، وفقدان للروابط، وانهيار لعالم كامل كان يبدو ثابتًا. لقد كان الدافع الأول هو إنقاذ الذاكرة من الضياع، لأن ما وقع لم يكن مجرد معاناة فردية، بل مأساة جماعية طالت آلاف الأسر، في ظروف وُصفت بأنها لا تختلف عن آثار الحروب من حيث القسوة والتجريد من الممتلكات والكرامة .

لكن مع مرور الزمن، لم تعد الكتابة مجرد استرجاع للوقائع، بل تحولت إلى حاجة أعمق: ترميم ما تهدّم داخليًا. وهنا جاء تخاريف حنة يامنة كامتداد، ولكن بلغة مختلفة، أكثر حرية وقسوة في آنٍ واحد. لم يعد الأمر مجرد سرد، بل أصبح استحضارًا لذاكرة الجرح بصوت الطفل الذي عاش الصدمة، واحتفظ بها كندبة لا تزول. هذا العمل لم يكن خيالًا أو “تخاريف” بالمعنى البسيط، بل كان تعبيرًا عن جرح نازف وسيرة حياة مغدورة، تُروى بصدق وعفوية بعيدًا عن التجميل .

الدافع الحقيقي، إذن، كان مزدوجًا:
من جهة، الرغبة في التوثيق، حتى لا تُمحى هذه الصفحة من التاريخ أو تُختزل في روايات رسمية باردة.
ومن جهة أخرى، الحاجة إلى الصراخ عبر الكتابة، إلى تحويل الألم إلى نصّ، والذاكرة إلى شهادة.

لقد شعرت أن الصمت خيانة لتلك التجربة، وأن الكتابة هي الشكل الوحيد الممكن للإنصاف، ليس إنصافًا قانونيًا، بل إنصافًا رمزيًا، يعيد الاعتبار للضحايا، ويمنحهم صوتًا داخل التاريخ.

في النهاية، يمكن القول إن هذين العملين، لم يكونا اختيارًا أدبيًا بقدر ما كانا قدرًا. فبعض التجارب لا تُروى لأنها جميلة، بل لأنها يجب ألا تُنسى.

س: كيف تنظر إلى مسؤولية الدولة المغربية في التعاطي مع ملف طرد المغاربة سنة 1975، وما السبل الكفيلة بإبقاء هذه القضية حية في الوعي الوطني رغم تعقيداتها السياسية؟

جهذا الملف، المرتبط بـطرد المغاربة من الجزائر 1975، ليس مجرد صفحة من الماضي، بل قضية وطنية ذات أبعاد إنسانية وحقوقية عميقة، ولا يمكن التعامل معها بأدوات رمزية أو بخطاب عابر. لذلك، حين يُقال إنه “لا يمكن محاربة ملف ثقيل بسيف من خشب”، فالمقصود هو أن هذه القضية، تحتاج إلى رؤية استراتيجية، ونَفَس طويل، وإرادة مؤسساتية واضحة.

من حيث المبدأ، تبقى المسؤولية الأساسية على عاتق المغرب، ليس فقط من زاوية الدفاع عن حقوق مواطنيه الذين تضرروا، بل أيضًا من حيث حفظ الذاكرة الجماعية وصيانتها من النسيان. غير أن تدبير مثل هذا الملف لا يتم بمعزل عن السياق السياسي والدبلوماسي، خاصة في ظل تعقيدات العلاقة مع الجزائر، وما تفرضه من توازنات وأولويات.

صحيح أن هذا الملف قد يكون حاضرًا ضمن الأجندة، لكن ليس بالضرورة في الواجهة، نظرًا لوجود قضايا أخرى تعتبرها الدولة أكثر إلحاحًا في لحظات معينة. ومع ذلك، فإن تأجيل المعالجة السياسية، لا ينبغي أن يعني إهمال الذاكرة أو تركها تتآكل مع الزمن.

هنا يبرز دور الفاعلين الآخرين إلى جانب الدولة. فالإعلام، بمختلف أشكاله، مدعو إلى إعادة طرح هذا الموضوع بشكل دوري، ليس فقط كخبر عابر، بل كقضية تستحق النقاش والتحليل والتوثيق. كما أن تنظيم الندوات واللقاءات الفكرية يساهم في إبقاء النقاش حيًا، ويمنح الضحايا وأبناءهم فضاءً للتعبير واستعادة جزء من الاعتبار.

إلى جانب ذلك، تضطلع الهيئات الحقوقية – سواء الرسمية أو المستقلة- بدور محوري في الترافع، وجمع الشهادات، وتوثيق الانتهاكات وفق مقاربات قانونية وإنسانية. كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بإدماج هذا الملف ضمن اهتماماتها، ليس من باب المزايدة، بل من باب المسؤولية التاريخية.

ولا يمكن إغفال الدور المتنامي لشبكات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت فضاءً موازيًا للترافع والتذكير، حيث يمكن للذاكرة أن تجد حياة جديدة، خاصة لدى الأجيال التي لم تعش تلك الأحداث لكنها تتفاعل معها عبر السرديات الرقمية.

في النهاية، هذه القضية لا تتطلب فقط قرارًا سياسيًا، بل تحتاج إلى تراكم في الوعي، واستمرار في التذكير، وتكامل بين الدولة والمجتمع. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لملف بهذا الحجم، ليس التعقيد… بل النسيان.

س: كيف توصّفون قضية المغاربة المطرودين من الجزائر سنة 1975 من حيث طبيعتها القانونية والإنسانية؟

ج: قضية طرد المغاربة من الجزائر 1975 ليست مجرد حدث سياسي عابر، بل هي في جوهرها جريمة إنسانية قائمة بذاتها، ترقى-في نظر ضحاياها-إلى مستوى الجريمة الجنائية التي لا يسري عليها التقادم. فهي لم تستهدف مواقف أو قرارات، بل استهدفت الإنسان في كرامته ووجوده، ما يجعلها واحدة من أكثر الصفحات قتامة في تاريخ العلاقات بين المغرب والجزائر. ويذهب البعض إلى وصفها بأنها تعكس سلوكًا قاسيًا وغير مسبوق، بالنظر إلى طبيعة العلاقات الأخوية المفترضة بين الشعبين.

س: ما الذي يجعل هذه القضية، رغم مرور الزمن، حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية للضحايا؟

ج: لأن ما وقع لم يكن مجرد ترحيل، بل تجربة إنسانية قاسية محفورة في الوجدان. الذاكرة تحتفظ بصور يصعب محوها: تجريد من الممتلكات، اقتياد إلى مخافر الشرطة في أجواء مشحونة بالخوف، تصوير الأفراد بلوحات مرقمة، كما لو كانوا مجرمين، وحرمان من أبسط الحقوق كالأكل والشرب لساعات طويلة، قبل ترحيلهم ليلًا في حافلات نحو المجهول. هذه التفاصيل لا تُنسى، لأنها تمس الكرامة بشكل مباشر.

كما أن وقع الكلمات الجارحة، مثل لفظ “المروك” التي كانت تُستعمل بنبرة تحمل احتقارًا، ترك أثرًا نفسيًا عميقًا، خاصة لدى الأطفال الذين وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة واقع عدائي لم يفهموه. ومع ذلك، تحوّلت هذه التجربة،  إلى لحظة وعي مبكر بالهوية والانتماء.

س:  هل يرتبط هذا الحدث بسياق سياسي معين في تلك المرحلة؟

ج: نعم، فقد جاء هذا الطرد في سياق إقليمي متوتر، خاصة بعد صدور رأي محكمة العدل الدولية الذي اعتبره المغرب داعمًا لموقفه في قضية الصحراء، ثم تنظيم المسيرة الخضراء بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني. وقد اعتبر كثيرون أن قرار الطرد كان ردّ فعل سياسيًا في ظل حكم هواري بومدين (بوخروبة)، وبمشاركة من وزير خارجيته آنذاك عبد العزيز بوتفليقة.

لكن، ورغم هذا السياق، فإن استهداف مدنيين عُزّل، كانوا يقيمون بصفة قانونية، لا يمكن تبريره سياسيًا أو أخلاقيًا، خصوصًا إذا ما قورن بموقف المغرب الذي لم يعامل الجزائريين المقيمين فوق أراضيه بالمثل.

س: هل يشكّل التعويض المادي مطلبًا أساسيًا للضحايا؟

ج: بالنسبة لكثير من الضحايا، المسألة تتجاوز التعويض المادي. فالألم الحقيقي لا يُقاس بما فُقد من ممتلكات فقط، بل بما فُقد من أشخاص وذكريات. لا شيء يمكن أن يعوّض رحيل “الحاج قويدر” أو “أمي خضرة” أو “حنة يامنة”. لذلك، يظل المطلب الأعمق هو الاعتراف بما حدث، وردّ الاعتبار المعنوي، وحفظ الذاكرة من النسيان.

س: ما الذي يميّز هذه القضية عن غيرها من الملفات التاريخية؟

ج: تميّزها يكمن في تداخل الإنساني بالسياسي، والخاص بالعام. فهي ليست فقط قضية دولة، بل قضية عائلات اقتُلعت من جذورها، وأطفال كبروا على صدمة، وذاكرة جماعية ما زالت تبحث عن الإنصاف. كما أنها تطرح مفارقة مؤلمة: أناس عاشوا بشكل قانوني وساهموا في المجتمع، وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها غرباء، دون أن يُمنحوا حتى فرصة الفهم أو الوداع.

في النهاية، تبقى هذه القضية شاهدًا على أن بعض الجراح لا يداويها الزمن وحده، بل تحتاج إلى مواجهة صريحة، واعتراف شجاع، حتى تستعيد الذاكرة شيئًا من توازنها.

س: هل يعود التوتر الدائم في خطاب بعض المسؤولين الجزائريين تجاه المغرب إلى “حقد” ناتج عن تفوق المغرب في مسار التنمية، أم أن هذا التفسير مبسّط ولا يعكس الصورة الكاملة؟

ج: القول إن الجزائر “تحقد” على المغرب بسبب تنميته هو تعبير صريح ومتداول في المنتديات، لكنه في التحليل العميق يبقى تبسيطًا مفرطًا لوضع أكثر تعقيدًا. نعم، هناك خطاب رسمي وإعلامي جزائري، يركّز بشكل لافت على المغرب، وأحيانًا بنبرة عدائية، وهذا واقع لا يمكن إنكاره. كما أن المقارنة بين مسارات التنمية في البلدين، تُستَحضر كثيرًا في هذا السياق.

لكن اختزال كل ذلك في “حقد” فقط يُغفل عوامل أساسية: صراع إقليمي على النفوذ، اختلاف جذري في الرؤى السياسية، وملفات عالقة منذ عقود. هذه العناصر هي التي تؤطر سلوك الدول، وليس مجرد الشعور بالغيرة أو الغبن.

في المقابل، من الواضح أن نجاحات المغرب في كثرة المجالات، تُستعمل أحيانًا كورقة في النقاش العام، سواء من طرف من ينتقد الجزائر أو من يدافع عنها. وهذا يعكس تنافسًا حقيقيًا، لكنه لا يعني بالضرورة أن الدولة الجزائرية، تتحرك بدافع نفسي بحت.

الخلاصة بدون مجاملة:
هناك توتر حقيقي وخطاب عدائي في بعض الأحيان، وقد يُفهم على أنه نابع من مقارنة غير مريحة مع ما يحققه المغرب، لكن تفسيره فقط بـ“الحقد” يظل قراءة شعبية أكثر منه تحليلًا دقيقًا لسياسة دول تحكمها حسابات معقّدة.

كلمة أخيرة:
مهما اختلفت القراءات وتعددت التفسيرات، تبقى الحقيقة الأهم أن ما حدث سنة 1975، المرتبط بـطرد المغاربة من الجزائر 1975، هو جرح إنساني، قبل أن يكون ملفًا سياسيًا. والجرح لا يُداوى بالشعارات، بل بالاعتراف، ولا يُطوى بالنسيان، بل بالإنصاف.

العلاقة بين المغرب والجزائر أكبر من لحظة توتر، وأعمق من خطاب رسمي عابر، لكنها أيضًا لا يمكن أن تُبنى بشكل سليم فوق ذاكرة مُهمّشة أو حقائق غير مُعترف بها.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي، ليس في كسب معركة كلامية، بل في كسب معركة الوعي: أن تبقى الذاكرة حيّة، وأن يُروى ما حدث كما هو، بلا تزوير ولا خوف، وأن يُمنح الضحايا -ولو متأخرًا- حقهم في أن يُسمَع صوتهم. فبعض القضايا لا تموت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.