الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

جمعة الهروب الكبير: حين تتحول الصلاة إلى ذريعة للغياب

ضربة قلم

الغائب الأكبر: ضمير العمل بين شعار الدين وواقع الموظفين

يقال في الحديث الشريف: «من غشّنا فليس منا». جملة قصيرة، لكنها أشبه بقنبلة أخلاقية تلخص جوهر الدين الإسلامي: الإخلاص في العمل، الصدق في المعاملة، والوفاء بالواجب. ومع ذلك، حين نطلّ على واقع إداراتنا، نجد أن هذا المبدأ النبوي البسيط يتحوّل إلى شعار معلّق على الجدران، بينما الممارسة اليومية تروي قصة أخرى تمامًا.

الدين-كما نعرف جميعًا – ليس طقوسًا معزولة في المساجد فحسب، بل هو التزام في السوق، في الورش، في المكتب، في كل زاوية من زوايا الحياة. غير أن كثيرًا من موظفينا – مسلمين كانوا أم غير مسلمين، مصلين أو غير مصلين – يثبتون لنا أن الفجوة بين النظرية والتطبيق أوسع من وادٍ لا يُجسر.

الجمعة… يوم العمل الناقص

لنكن صرحاء: يوم الجمعة في إداراتنا ليس يوم عمل كامل، بل هو أقرب إلى “يوم انتقالي”. صباحًا، تجد بعض الموظفين يطلّون على مكاتبهم لساعة أو ساعتين، يوقّعون بعض الأوراق، يتبادلون التحايا، وربما يحرصون على احتساء قهوة سريعة مع الزملاء. ثم، قبيل صلاة الجمعة، يبدأ المشهد المسرحي: الكراسي تُترك فارغة، الملفات تبقى معلّقة، والموظف يذوب في الهواء كأنه لم يكن.

المفارقة أن كثيرًا منهم لا يعود بعد الصلاة، بل يمدّد غيبته بسخاء إلى مساء الأحد، ليطلّ علينا صباح الاثنين بوجه متعب، متذرعًا بازدحام الطرقات، أو مرض الأبناء، أو “ظروف قاهرة” لا يعرفها إلا هو وربه. هكذا يتحول الأسبوع العملي من خمسة أيام إلى أربعة بالكاد: الاثنين، الثلاثاء، الأربعاء، والخميس، والجمعة استراحة مقنّعة.

الزمن الضائع… من يدفع ثمنه؟

قد يبدو الأمر في نظر البعض “تفصيلًا بسيطًا” أو “عادة متوارثة”، لكن الحقيقة أن هذه الممارسات تكلّف الدولة والمواطن ثمنًا باهظًا. المعاملة التي كان يمكن أن تُنجز في يوم واحد قد تحتاج إلى أسبوع. المواطن الذي يقف في الطابور صباح الجمعة يُفاجأ بأن الموظف المسؤول غائب، فيُطلب منه العودة “الاثنين إن شاء الله”. المشاريع تتأخر، الاستثمارات تتعطل، والثقة بين المواطن والإدارة تذوب مثل الملح في الماء.

أزمة أخلاقية قبل أن تكون إدارية

هنا بيت القصيد: المشكلة ليست فقط في ساعات العمل الضائعة، بل في العقلية التي تبرّر هذا السلوك. كيف يمكن لموظف أن يصلي الجمعة بخشوع، يستمع إلى خطبة عن الأمانة والإخلاص، ثم يخرج من المسجد ليمارس عكس ما سمعه؟ كيف يمكن لمجتمع يرفع شعار “الإسلام دين العمل” أن يتساهل مع ثقافة الغياب واللامبالاة؟

الغش في جوهره ليس فقط بيع سلعة مغشوشة أو تقديم خدمة ناقصة، بل هو أيضًا سرقة الوقت العام، هدر طاقة المجتمع، والاستهانة بحقوق الناس. والرسول ﷺ حين قال: «من غشّنا فليس منا» لم يكن يقصد فقط الغش في التجارة، بل كل أشكال الخداع والتقصير التي تقوّض الثقة بين الناس.

حين يصبح “الهروب” أسلوب حياة

في كثير من الإدارات، أصبح الغياب عادة مستساغة. الموظف يتباهى بأنه يعرف كيف “يختفي” دون أن يُسجل في خانة المتغيبين. بعضهم يخلق لنفسه أعذارًا جاهزة: زيارة عائلية، موعد طبي، اجتماع خارجي… أما الحيلة الأشهر فهي: “أذهب لصلاة الجمعة ولا أعود”، مستغلًا قدسية الفريضة ليغطي على تهاونه.

النتيجة: المواطن يتيه بين المكاتب، يطرق الأبواب المغلقة، ويكتشف أن “الخدمة العمومية” في نهاية المطاف هي خدمة معلّقة على مزاج الموظف.

ما الحل؟

لا يكفي أن نلوم الأفراد، فالمشكل أعمق. نحن بحاجة إلى:

  1. ثقافة جديدة للعمل: تذكير الموظف بأن أداء عمله عبادة، وأن التهاون فيه خيانة للأمانة.

  2. آليات مراقبة صارمة: حضور وانصراف إلكتروني لا يترك مجالًا للتلاعب.

  3. تحفيز الكفاءات: مكافأة من يتفانى في عمله، لا مساواته بالمتقاعس.

  4. إحياء الضمير الجمعي: أن يفهم المجتمع أن احترام الوقت والعمل ليس خيارًا شخصيًا، بل مصلحة عامة.

خاتمة

يوم الجمعة كان في الأصل مناسبة لتعزيز القيم الروحية والإنسانية. لكن ما يحدث في إداراتنا يحوّله إلى رمز للتقصير والغش. وبين شعار الدين وواقع الموظف، تضيع حقوق الناس.

ويبقى السؤال مفتوحًا:
متى ننتقل من الإسلام كشعار على الجدران إلى الإسلام كسلوك في المكاتب؟
ومتى نفهم أن صلاة الجمعة لا تكتمل إلا إذا عاد المصلّي ليخدم الناس بما يرضي الله والضمير؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.