الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعالشأن المحلي

جمعيات زوجتي أولى بالدعم”: حين تتحوّل الشراكات إلى بورصة انتخابية!

ضربة قلم

في هذا البلد السعيد، حيث تُزرع الشراكات كما تُزرع البطاطا في أراضٍ غير مسقية، وحيث تتحول الجمعيات المدنية إلى دكاكين عائلية لتوزيع المال العام، خرجت لجان التفتيش من جحورها، مدفوعة ربما بالملل أو بفائض نشاط غير معتاد، لتكشف ما لا يريد أحد أن يُكشف: “حاميها حراميها” رسميًا وبموجب المحاضر.
نعم، قضاة المجالس الجهوية للحسابات بجهتي الدار البيضاء-سطات ومراكش-آسفي قرروا أن يتجولوا في دفاتر جماعاتنا المحترمة، ليكتشفوا أن كلمة “شراكة” لم تعد تعني تعاونًا بين المؤسسات، بل صارت تعني “شراكة في الغنيمة” بين الرئيس وزوجته أو صهره أو حتى “بنت خو مراتو” التي صارت رئيسة جمعية ثقافية تنشط فقط عند اقتراب موعد الميزانية.
ويا للعجب! تقارير التفتيش لم تكن بحاجة إلى مكبر صوت لتصرخ بأن ملايين الدراهم تُوزّع بسخاء عجيب على “جمعيات” لا أحد يعرف لها نشاطًا سوى انتظار الدعم، ولا أحد يرى لها مشروعًا سوى تجديد السيارة العائلية. كل هذا بدون توقيع اتفاقيات، بدون مصادقة المجالس، وبدون حتى استحياء. فالرئيس الفاضل – صاحب البذلة الأنيقة والنظرة الإصلاحية – يقرر لوحده، ويمنح لوحده، وكأن المال العام ميراث جدّه الذي لم يُوزع بعد.
المادة 92 من القانون التنظيمي رقم 113.14 تنص بوضوح على أن المساعدات للجمعيات يجب أن تمر عبر المجالس. لكن من يهتم؟ فالمجالس ليست سوى ديكور في هذا المسرح الكبير الذي تُكتب فيه القرارات على عجل، وتُصرف فيه الميزانيات على مهل، وتُخيط فيه الشراكات على مقاس العائلة الكريمة.
أما “ريع الشراكات”، فهو المصطلح الجديد الذي أبدعت فيه الجماعات، حيث صار الدعم وسيلة لإعادة تدوير المال العام داخل الدوائر الانتخابية: جمعية يرأسها صديق، وأخرى تديرها زوجة، وثالثة باسم “التنمية”، ولكن نشاطها الوحيد هو ضمان الولاء في الانتخابات المقبلة. لا مشاريع، لا برامج، لا أثر ميداني، فقط تمرير الحوالات و”عفا الله عما سلف” إذا ما وصل أحدهم إلى البرلمان.
بعض الرؤساء، على ما يبدو، يعانون من حساسية تجاه المداولات، فيتخذون القرارات في صالونات مغلقة أو عبر مكالمات قصيرة، دون أن يُشركوا أحدًا، وكأنهم يحكمون إمارة خاصة بهم، لا جماعة ترابية يفترض أن تخضع للرقابة والمساءلة.
أما بعض الجمعيات، فقد تحولت إلى ملحقات بلدية غير معلنة. تنشط وقت الانتخابات، وتنام وقت المحاسبة. وهي لا تحتاج إلى مقرّات، فقط إلى رقم حساب بنكي وشخص “عندو علاقة”. وهكذا تُفصّل الشراكات على مقاس “الرفاق”، وتُمنح الأموال كما تُمنح الحلويات في الأعراس: للجميع، شريطة أن يكونوا من العائلة الموسعة، أو من فئة “اللي كيعرفو كيفاش يطلبو”.
والمثير في الأمر، أن أغلب هؤلاء الرؤساء – المتورطين حتى الأذنين – ما زالوا يجاهرون بالإصلاح، ويتحدثون عن الحكامة، ويحرصون على نشر صورهم وهم يزرعون شجرة أو يفتتحون ملعبًا ترابيًا. أما داخل الكواليس، فالأرقام تتكلم، والقضاة يسجلون، والعقلاء في البلد يتساءلون: هل نحن في دولة مؤسسات أم في حلقة من مسلسل “شريك حياتي.. رئيس جمعيتي”؟
باختصار، المشهد لا يحتاج إلى خيال واسع. فقط ورقة، قلم، وقليل من الجرأة لربط النقاط: المال العام يُنهب بأدوات قانونية، بعض الجمعيات تُستعمل كأغطية، والشراكات تُفصّل على مقاس الغنيمة. أما المواطن، فله الحق في التصفيق فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.