جمعية لكل مواطن… وبطالة بنكهة الفاعل الجمعوي!

ضربة قلم
في المغرب، وتحت سماء تبدو زرقاء لكنها تغلي من تحتها بخار العبث، تبرز كل يوم ظواهر جديدة لا تشبه الظواهر الطبيعية التي درستها البشرية منذ قرون، بل تشبه تلك المخلوقات العجيبة التي تظهر في القصص الشعبية حين تخلط بين الحيلة والاحتيال والنوم العميق للضمير. إحدى هذه الظواهر التي تستحق لا فقط موائد مستديرة، بل مائدة مستطيلة إلى ما لا نهاية، مع كراسٍ مثبتة جيدًا لأن ما سيسمعه المشاركون سيُذهل العقول ويخرّ السقف على الحاضرين… هي ظاهرة “العاطل المقاول”، “العاطل المؤسس”، “العاطل الذي أشرق عليه نور الجمعية بعد سنوات من الظلمة”.
تخيل معي شخصًا لم يسبق له أن عمل في حياته سوى على الأحلام المعلّقة، أو على خطط مفصلة لتفادي العمل الحقيقي، ثم يستيقظ ذات صباح مشرق (أو ربما غائم، لا فرق)، ليقرر تأسيس جمعية لمحاربة الرشوة! نعم، الرشوة، وهو الذي لم يستطع حتى أن يحارب الكسل في حياته، ولا يقوى على مقاومة وسادة النوم في عزّ الظهر. يجمع أوراقه، يخط عنوانًا براقًا يدوّخ به القلوب الطيبة: “الجمعية المغربية لمحاربة الفساد وترسيخ مبادئ الحكامة والشفافية والديمقراطية التشاركية في إطار مقاربة النوع”، وها هو ذا قد أصبح “فاعلًا جمعويًا”، وعضوًا في ما يشبه حكومة الظل، بل وقد يُمنح حتى فرصة حضور لقاء دولي في أحد الفنادق الراقية، حيث يتحدث عن الفساد بلغة خشبية لا تقطع حتى ورقة توت.
المضحك المبكي أن بعض هؤلاء “الفاعلين الجمعويين” لا يعرفون معنى كلمة “رشوة” في القاموس، لكن يعرفونها جيّدا على شكل كاش ومكالمات هاتفية تبدأ بجملة “راه عندي معارف”، وتنتهي بـ”غير خلّي عليا”. وقيل لهم إن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تبيض الذهب، فدخلوا القفص من بابه الواسع، وكل واحد صار “يجمع ملفات المشاريع” كما يجمع الهواة الطوابع. ليس بهدف التنمية ولا التغيير، بل بهدف “تبيض” شيء آخر لا يُقال، ويُصرف في الليل والنهار على سيارات مستعملة من ألمانيا وأراضٍ تُشترى بأسماء الزوجات أو الأمهات.
ثم إنك ترفع رأسك قليلًا لتصطدم بنوع آخر من الكائنات الرمادية: “المستشار الجماعي”، ذاك الكائن الذي غالبًا ما خرج لتوه من عطالة مزمنة، أو من مقهى مجاور لمقر الجماعة، وها هو اليوم يحمل بين يديه خاتم سليمان المحلي: يختم به طلبات الرخص، ويهمس في أذنك عن “المهندس المناسب”، و”الشخص اللي غادي يسهلك الإجراءات”. صفة تطوعية في الظاهر، لكنها في الواقع أشبه بمنجم صغير يُستخرج منه الدخل اليومي على طريقة “سمسرة لكل مواطن”، حيث القضايا تُحلّ ليس بالقانون، بل برقم الهاتف، وقوة “الكلمة الطايحة” عند موظف في قسم التعمير أو الشرطة الإدارية.
فالمستشارون اليوم لا يحتاجون إلى مكاتب ولا إلى برامج، بل يكفيهم “كونطاكت” مع القائد، وعلاقة سطحية مع موظف البلدية، وهاتف ذكي فيه رقم فلان وعلان. تدخل عنده مهمومًا، تخرج مبتسمًا بعد أن يقول لك: “سير خلي عليا، غادي ندير ليك حل”. هذا “الحل” يُترجم غالبًا إلى نسبة معينة من الغنيمة، وقد تُدفع بشكل مباشر أو في شكل هدايا رمزية، مثل كبش في العيد أو طنجرة ضغط في عرس بنتو.
أما هؤلاء الذين يمثلون أنهم لا يفهمون المعارف الجدد، فهؤلاء خريجو مدرسة النفاق الجماعي، يمثلون الغباء ببراعة، ويتقنون لعبة “البراءة الانتقائية”. تراهم في الاجتماعات يهزون رؤوسهم كأنهم يقرؤون القرآن، بينما عقولهم منشغلة بإحصاء عدد الملفات التي ستدخل غدًا إلى “قنوات المعالجة”، أي وساطة مقابل شيء ما، تحت الطاولة، أو فوقها إذا اقتضى الحال.
تقول لنفسك إن البلد بخير طالما أن هناك جمعيات، لكنك تكتشف بسرعة أن بعضها ليس إلا واجهة وهمية، يختبئ خلفها جوع مزمن للمال والسلطة الصغيرة، جوع لا يُشبع لا بالمؤتمرات ولا بالورشات. تطلب منهم تقريرًا سنويًا فتجد قصيدة نثر فارغة المحتوى، تطلب محضرًا فتأتيك صفحة مطبوعة فيها أسماء المتدخلين فقط، أما المضمون فاختفى مع ميزانية القهوة والحلويات التي قُدمت في نشاط “توعوي”.
المشكلة ليست في وجود العاطلين، بل في تحويل البطالة إلى مهنة جديدة: مهنة الإيهام بالاشتغال. ومتى صار “التطوع” مدخلًا للثروة، و”المشاركة المواطنة” وسيلة لبناء فيلا في الهضبة العليا، فاعلم أن الأبواب قد فُتحت على مصراعيها لكل أنواع الشطارة المقنّعة والمبادرات المشبوهة.
وهكذا تتكرس كل يوم فئة جديدة من محترفي “الفراغ النشيط”، أولئك الذين يتحركون كثيرًا ولا ينتجون شيئًا، يملؤون القاعات صراخًا، ويمتصون الميزانيات كما يمتص الإسفنج الماء العكر، ويرفعون شعارات التنمية المستدامة بينما هم أنفسهم لا يستحقون حتى لقب “عامل موسمي على نية الإصلاح”.
وفي هذا البلد، حيث صار العاطل “فاعلًا”، والمحتال “جمعويًا”، والمتسلق “مستشارًا”، لم يعد غريبًا أن يتطلب إصلاح واحد بسيط آلاف الاجتماعات، وملف الإدماج عشرات اللقاءات، بينما إصلاح ذات البين بين المال العام والضمير صار مستحيلًا. كل ذلك يجعلنا نتساءل بمرارة ساخرة: من يراقب من؟ ومن يطوّر من؟ وهل سنحتاج قريبًا إلى جمعية لمحاربة الجمعيات؟
في بلد تُستهلك فيه عبارات “المقاربة التشاركية” و”الحكامة الجيدة” كما تُستهلك المثلجات في عز الصيف، لم يعد الغرابة في الواقع بل في قدرتنا على تحمّله. حين تصبح الجمعية وسيلة للتمويه، والمبادرة غطاءً للربح، والتطوع مسلكًا للترقي الاجتماعي السريع، فلا بأس أن نتخيل مستقبلًا تُنظم فيه مناظرات كبرى حول سؤال وجودي ساخر:
“هل الجمعيات في خدمة المواطن، أم المواطن في خدمة الجمعيات؟”
وقد لا يطول الزمن حتى نرى لافتة جديدة معلقة في إحدى الأزقة كتب عليها:
“الجمعية الوطنية لحماية المواطنين من الجمعيات الغريبة الأطوار!”
نحن أمام جيل من “الفاعلين اللا فعليين”، ممن لا يفعلون شيئًا سوى ملء الفراغات، وتوقيع محاضر بلا أثر، والتقاط صور “النشاط الناجح” دون أن يكون هناك نشاط أو نجاح.
الأسوأ؟ أن من يجرؤون على فضح هذه الفقاعات يُوصفون بأنهم سلبيون، غير مسايرين، وربما حتى “أعداء التنمية”!
فهل صرنا نحتاج فعلًا إلى مرصد لمراقبة من يراقبون؟ أم أن الوطن يستحق تنظيف طاولة الجمعيات من بعض سكاكين الطمع قبل أن يتحول الحفل برمته إلى مسرح عبثي بلا جمهور؟
مع الإشارة إلى أن هذه الملاحظات لا تعمم على الجميع، فهناك جمعيات وأشخاص نذروا أنفسهم ليكونوا فاعلين حقيقيين في خدمة الوطن والمواطن.




