
ضربة قلم
في دولة تُخصص جزءًا غير يسير من ميزانيتها العامة للجماعات الترابية، يبدو المشهد في بعض المجالس الجماعية شبيهًا بكوميديا سوداء: موظفون على الورق فقط، وأشباح يتقاضون الأجور بانتظام، رغم أن مقاعدهم فارغة منذ سنوات، وربما لم تُشغل يومًا!
نحن أمام ظاهرة لم تعد استثناءً، بل أصبحت هي القاعدة في جماعات محلية كثيرة، من أقصى شمال المملكة إلى جنوبها، حيث عدد الموظفين “الأشباح” يفوق أحيانًا عدد النشيطين الحاضرين فعليًا.
لكن من المسؤول؟ من سمح بهذا النزيف المزمن؟ ومن يحمي هؤلاء؟
دعونا نبدأ من حيث ينتهي السؤال دائمًا: من يُحاسب من لا يشتغل؟
المستشارون الجماعيون: حرّاس “الإسمنت” وأوصياء “الغياب”
في كثير من الجماعات، لا يكون الموظف الشبح “ضحية” نظام متساهل فحسب، بل هو في الغالب نتيجة مباشرة لتحالفات انتخابية مصلحية.
بعض المستشارين الجماعيين لا يرون في الجماعة الترابية جهازًا لخدمة السكان، بل مزرعة صغيرة لتوزيع المناصب، وإن لزم الأمر… دون عمل فعلي.
ابن العم يُوظف ليرتاح؛
الصهر يُسجَّل ليُكافَأ؛
أحد الوجوه الانتخابية يُعيَّن دون أن يطأ عتبة المكتب.
وهكذا يتحول “التوظيف المحلي” من خدمة للمرفق العام إلى مكافأة انتخابية أو ورقة ضغط قبل كل استحقاق.
الموظف الشبح… لا يرى ولا يُرى
لا نبالغ إذا قلنا إن بعض الجماعات تحتضن موظفين لم يُشاهَدوا منذ التعيين. بعضهم يعمل في قطاعات خاصة، أو في دول أوروبية، بينما يستمر راتبه في النزول بانتظام في حسابه البنكي بالمغرب.
في حالات أكثر وقاحة، نجد من يحصل على معاشين:
الأول من الدولة المغربية باعتباره موظفًا جماعيًا متقاعدًا.
والثاني من نظام تقاعد إيطالي، باعتباره عاملًا مهاجرًا.
هل هذا ممكن؟ نعم.
هل هناك من يراقب؟ غالبًا لا.
حين تذهب الميزانية إلى “الهواء”
في جماعة لا يتعدى عدد سكانها 5000 نسمة، وقد لا تملك حتى سيارة إسعاف أو طبيب دائم، تجد على الورق:
60 موظفًا،
27 منهم أشباح، و12 في شبه عطالة دائمة،
والبقية يحاولون، وسط فوضى الإهمال، إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وتُصرف ميزانية الجماعة في:
أجور لا تُقابلها أي إنتاجية،
تعويضات عن مهام لم تُنجز،
منح لموظفين “يشتغلون من بعيد”، وأحيانًا… من خارج الحدود.
لماذا لا يتحرك أحد؟
لأن الجميع يتغذى من هذا التواطؤ الصامت:
الإداري يستفيد من الحماية مقابل السكوت،
المستشار الجماعي يستفيد من الولاء الانتخابي،
والموظف الشبح يستفيد من الغياب المريح.
في بعض الحالات، عندما يتم دق ناقوس الخطر، تكون الاستجابة على الشكل التالي:
“نحن نعمل على تنظيم الموارد البشرية.”
“تمت مراسلة المعنيين بالأمر.”
“هناك لجنة ستقوم بالتحقيق.”
ثم… لا شيء.
حلول؟ أم مجرد مسكنات؟
هل فكر أحد في نشر لوائح الحضور ؟
هل يمكن تفعيل نظام تتبع إلكتروني بسيط يُظهر ساعات العمل والمهام؟
هل تمت مساءلة أي مستشار جماعي عن هذا الفساد الإداري المزمن؟
الجواب: لا، لأن من يفترض فيه أن يُراقب، هو جزء من شبكة التغاضي.
إلى متى؟
إلى أن يُصبح “الغياب” فعلاً مُجرَّمًا، لا مجرد ملاحظة إدارية.
إلى أن نُحاسب من يُوظف على المقاس، ويُهدر المال العام من أجل الولاء السياسي.
إلى أن نقتنع أن الموظف العمومي ليس “غنيمة”، بل أداة لخدمة الوطن.
إنها ليست فقط قضية فساد إداري، بل نزيف أخلاقي ينهك الدولة ويقزم ثقة المواطن.




