الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

جمهورية الميكروفونات العشوائية: حين يصنع الأمي نفسه صحفيًا ويبيع الوهم باللايكات

ضربة قلم

في زمن صارت فيه الكاميرا أرخص من جريدة، والميكروفون يُشترى من السوق الأسبوعي مثل البصل والطماطم، وُلدت “جمهورية الميكروفونات العشوائية”. هنا، كل من يملك هاتفًا صار “مراسلًا ميدانيًا”، وكل من يرفع مقطع فيديو صار “صحفيًا استقصائيًا”، والنتيجة: إعلام بلا مهنية، أخبار بلا ضوابط، ومجتمع يتغذى على الوهم، كما لو كان حقيقة منزلة من السماء. إنها الأمية الرقمية في أبهى صورها: جهلٌ يُقدم نفسه في ثوب المعرفة، وتفاهةٌ تُسوق على أنها سبق صحفي.
1. الميكروفون كسلاح الأمية الجديدة
في الماضي، كانت المعلومة تحتاج تكوينًا، ومسؤولية، ووسائط مضبوطة: جريدة، إذاعة، تلفزة. اليوم، كل ما يلزمك هو ميكروفون وهاتف ذكي مشحون، لتصبح بين ليلة وضحاها “إعلاميًا”. الأمية لم تعد تعني عجزًا عن القراءة والكتابة، بل تحولت إلى استعمال التكنولوجيا بلا عقل ولا وازع، حيث صار الجهل متخفيًا خلف زر “بث مباشر”.
2. حين تصبح العمالة مسرحًا للفرجة
مشهد كلاسيكي من “الجمهورية”: شخص يقف أمام العمالة أو مقر الجماعة الترابية، يمد الميكروفون أمام الكاميرا، يلتقط مشهد الوالي أو العامل وهو يفتتح مشروعًا، ثم يرفعه على “يوتيوب” بعنوان: “حصري وعاجل!”. هكذا تُفرغ المؤسسات من هيبتها، وتتحول الأنشطة الرسمية إلى محتوى استهلاكي رخيص، غايته جمع المشاهدات والإعلانات، لا غير.
3. حوادث السير… مادة للمتاجرة بالدم
الأدهى أن بعض “المراسلين” وجدوا في المآسي الإنسانية مادة دسمة للربح. يكفي أن تقع حادثة سير، حتى يتهافتوا بالميكروفونات والهواتف، يصورون الدماء والضحايا والجثث، ثم ينشرون الفيديو مرفقًا بتعليقات ركيكة، لا تراعي مشاعر الأسر ولا حرمة الموتى. هنا تصبح الأمية الرقمية نوعًا من التجارة السوداء بالكرامة الإنسانية.
4. ما بين التفاهة والابتزاز
المسرحية لا تنتهي عند حدود التصوير، بل تتطور أحيانًا إلى ابتزاز علني. فبعض “الصحفيين العشوائيين” يستعملون الفيديوهات كأوراق ضغط: إما لنشر أخبار مفبركة ضد مسؤول أو مقاول، أو للمبالغة في تضخيم حدث ما بهدف “التفاهم” في الكواليس. الكاميرا هنا ليست وسيلة إخبارية، بل عصا سحرية للتسول الإعلامي وتصفية الحسابات.
5. الجمهور الضحية الأولى
والمفارقة أن هؤلاء دائمًا يجدون جمهورًا يتابعهم. بدافع الفضول أو العطش للمعلومة، يستهلك الناس هذه الفيديوهات وكأنها حقائق مقدسة. النتيجة: رأي عام يُغذّى بالسطحية والانفعال بدل التحليل والنقاش. ومع الوقت، يصبح الوعي الجماعي رهينة “ترند” اللحظة، حيث الحادث العابر يطغى على القضايا الكبرى.
6. مسؤولية الدولة والمجتمع
الدولة: مطالبة بوضع ضوابط حقيقية لاستعمال الكاميرات والميكروفونات، لأن حرية التعبير لا تعني الفوضى.
المجتمع المدني: مدعو لتكوين الشباب في مجال الصحافة المواطنة والإعلام الرقمي المسؤول.
الأسر والمدارس: عليها أن تغرس في الأطفال قيم احترام الخصوصية والكرامة، بدل التطبيع مع ثقافة الفرجة الرخيصة.
خاتمة
الأمية الرقمية في المغرب لم تعد مجرد جهل بالتكنولوجيا، بل صارت ظاهرة اجتماعية تتغذى على الفوضى: هاتف يتحول إلى سلاح، ميكروفون إلى بطاقة هوية، ومأساة إنسانية إلى “محتوى حصري”. في “جمهورية الميكروفونات العشوائية”، كل شخص مراسل، وكل حادث سبق، وكل تفاهة صناعة إعلامية. وبينما يستعمل البعض التكنولوجيا للإبداع والتنوير، يحولها آخرون إلى سوق للوهم، حيث الأمي يتقمص دور الصحفي، وحيث الحقيقة تدفن تحت أكوام من “اللايكات” والإعلانات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.