جيش “الغياطة” يغزو الميدان: حين يتحول الميكروفون إلى صنارة للصدقات

ضربة قلم
في مشهد يثير الضحك حدّ البكاء، خرجت أفواج من “المراسلين” في شهر أكتوبر كما تخرج الجراد في موسم وفرة الحقول، تجوب دورات الجماعات المحلية في كل زاوية من الوطن، ليس بحثًا عن الحقيقة ولا شغفًا بالإعلام، بل عن فرصة لالتقاط “صورة قرب الرئيس” أو همسة من عضو قد تمنّ عليهم بـ”مصروف النقل”.
إنها ظاهرة “الغياطة”، أولئك الذين يملأون الفضاء ضجيجًا وعدساتهم لا تعرف معنى الصورة الإخبارية، وميكروفوناتهم تُستخدم كأداة تهديد لا كوسيلة تواصل. يتحدثون بعبارات مشوهة، يجهلون أبسط قواعد الكتابة، ومع ذلك يصرّون على تقديم أنفسهم كـ”إعلاميين”، بينما لا يستطيع أحدهم تحرير رسالة نصية خالية من الأخطاء.
في زمن كان فيه الصحفي رمزًا للوعي والمعرفة، صارت المهنة ملاذًا للمتطفلين، يتسابقون على مداخل الجماعات والمجالس، يوزّعون الابتسامات ويمدّون الأيدي كمن يطلب حسنة من سلطة محلية. ومنهم من لا يخجل من التقاط صور “السيلفي” مع المنتخبين ثم نشرها تحت عناوين رنانة من قبيل: “لقاء صحفي حصري مع رئيس المجلس”، بينما اللقاء لم يتجاوز التحية العابرة.
الظاهرة باتت مقلقة، لأن هؤلاء “الغياطة” لا يسيئون فقط للمهنة، بل يلوثون صورتها ويضعفون ثقة المواطن في كل من يحمل ميكروفونًا. فبدل أن يكون الإعلام سلطة رابعة، صار عند البعض وسيلة للابتزاز أو “للتسول الإعلامي”، حيث لا يُطلب الاعتراف بالجهد الصحفي، بل بثمن الصمت أو “تغطية إيجابية” لمن يدفع أكثر.
ولا أحد ينكر أن المسؤولية تقع أيضًا على بعض الجماعات التي فتحت الباب أمام هذا العبث، فصار كل من يحمل هاتفا أو بطاقة مطبوعة على عجل يُعتبر مراسلاً معتمدًا. هكذا تحوّل الإعلام من منبر للحق إلى مسرح للسخرية، يتزاحم فيه “المصورون المتطوعون” و”المراسلون المزعومون” دون أدنى تأهيل مهني أو ثقافي.
الإعلام الحقيقي لا يحتاج إلى “كثرة الوجوه”، بل إلى نزاهة الكلمة وصدق النية. ومن أراد أن يكون مراسلًا فعليه أن يبدأ من القلم لا من الهاتف، ومن الفكرة لا من الفاتورة، فالمهنة ليست وسيلة عيش فقط، بل مسؤولية تجاه الرأي العام والوطن.
لقد آن الأوان أن تتحرك النقابات والهيئات المهنية، لتضع حدًّا لهذا الفوضى المتفشية باسم الصحافة، قبل أن يغرق الميدان تمامًا في بحر من “الغياطة” الذين لا يتقنون سوى التصفيق لمن يدفع، والثرثرة في زمن يحتاج فيه الناس إلى من يصغي إليهم لا من يزعجهم.




