جيش بلا شرف: كيف احتلت الانتهازية مؤسساتنا ووجوهنا؟

م-ص
كتبنا بالأمس عن أزمة التربية، وعن الانتهازية، وعن ضميرٍ، يبدو كأنه خرج في إجازة طويلة. والعودة إلى الموضوع اليوم، ليست اجترارًا ولا ترفًا فكريًا، بل استجابة لواقع يزداد خشونة ووقاحة. فما نواجهه، لم يعد سلوكات معزولة أو أخطاء عابرة، بل صار منظومة متكاملة، لها منطقها، وحماتها، وخطابها الأخلاقي المزوّر الذي يضفي الشرعية على الانحراف.
نحن أمام فئة واسعة، تدين بالولاء للانتهازية، تحملها بلا حرج، كما تُحمل الشارات، وتعرضها في الملامح، وفي اللغة، وفي الحركات اليومية. هؤلاء لا يقبعون في الظل، بل يحتلون مواقع القرار داخل مؤسسات، وأحزاب، وجمعيات، وإدارات، في فضاءات يُفترض أن تصون القيم، لا أن تفرّغها من معناها. تتعدد الأشكال وتختلف الأزياء، لكن الجوهر واحد: موقف يُباع عند أول اختبار.
غير أن الخطر الأكبر، لا يأتي دائمًا من الانتهازي المعلن، بل من ذلك الصامت الذي يراقب من بعيد، لا لأنه متشبث بأخلاق راسخة، بل لأنه لم يجد بعد اللحظة المناسبة للدخول في الصفقة. يقف على الهامش، يحسب المكاسب، ويؤجّل الانخراط إلى حين. يمتلك بقايا من ضمير، لكنها لا تصمد طويلًا، أمام إغراء القرب من الموائد الملوثة. يساير، يبتسم، ويمنح الانحراف غطاء الصمت، متذرعًا بالحياد والعقلانية وتفادي الصدام، وكأن القيم مسألة قابلة للتفاوض.
هؤلاء لا يرفعون الشعارات الفاسدة علنًا، لكنهم يتيحون لها التمدد. لا يباشرون الفعل، لكنهم يهيئون شروطه. ومع الوقت تنقلب المفاهيم: يُقدَّم الصمت على أنه حكمة، والتراجع على أنه تعقّل، والمواجهة على أنها تهور. هكذا يُعاد تشكيل المعايير، ويُفرغ المعنى من محتواه، فيصبح التواطؤ سلوكًا مقبولًا، بل محمودًا أحيانًا.
وفي معركة القيم، لا مكان للمنطقة الرمادية. إما موقف واضح، أو مشاركة ضمنية. وكل من يلوذ بالصمت، وهو يشاهد الانتهازية، تعبث بالمشهد، إنما يوقّع على تورطه، ولو مؤجلًا، في ما يجري.
في المدن الصغرى، حيث الوجوه معروفة والقصص مكشوفة، تتعرّى الانتهازية أكثر. يعرف الجميع من يتلوّن، ومن يغيّر خطابه، حسب المتحكم في القرار، ومن ينافق الجميع حفاظًا على موقعه. ورغم ذلك تستمر اللعبة، ويستمر التصفيق، كأن المجتمع اعتاد الزيف، حتى فقد القدرة على استنكاره.
ومن الضروري الفصل بين الانتهازية والوطنية. فالوطنية لا تُقايض، ولا تُستعمل كغطاء للمصالح. هي التزام غير مشروط، ووفاء لا ينتظر المقابل. أما من يختزلها في الامتيازات والمناصب، فهو لا يدافع عن الوطن، بل يساوم به، وقد يفرّط فيه متى تغيّر الميزان.
إن أخطر ما نعيشه ليس انتشار الانتهازية وحدها، بل تآكل الحسّ الأخلاقي العام. حين يصبح الانتهازي نموذجًا، والصامت صوتًا للحكمة، والصريح عبئًا، نكون قد دخلنا مرحلة تشوّه عميق في الوعي الجماعي، حيث تُقاس القيم، بمنطق الربح لا بميزان الضمير.
وأزمة التربية، في جوهرها، ليست أزمة مناهج بقدر ما هي أزمة قدوة. طفل يرى الانتهازي يتقدّم، والصادق يُقصى. شاب يلاحظ أن الانحناء، يفتح الأبواب أكثر من الاستقامة. مجتمع يكافئ التلوّن ثم يستغرب الخراب.
لسنا في حاجة إلى مزيد من الخطب، بل إلى موقف. موقف لا يحتمل التأويل. فإما رفض واضح للانتهازية، أو قبول بها، ولو بالصمت. لأن الصمت هنا، ليس حيادًا، بل اختيار.
وقد يبدو هذا الكلام قاسيًا، لكنه أهون من سؤال سيُطرح لاحقًا: لماذا سكتّم؟ لماذا قبلتم؟ ولماذا بقيتم على الطاولة، حين كان الرحيل هو الموقف الوحيد النظيف؟
ذلك السؤال، وحده كفيل، بأن يوقظ ما تبقى من ضمير… إن كان لا يزال حيًا.
شتّان بين الأوفياء للانتهازية، أولئك الذين يبدّلون مواقفهم، كما تُبدَّل الأقنعة، ويقيسون قناعاتهم بميزان المصلحة، وبين الأوفياء لأخلاقهم، الذين قد يخسرون المواقع، لكنهم لا يخسرون أنفسهم. الفريق الأول يتقن فنّ التبرير، ويبرع في اختراع الأعذار، ويجد دائمًا ما يسوّغ به سقوطه، أما الفريق الثاني، فيسير مثقلًا بثمن الاستقامة، لكنه يمشي مرفوع الرأس، مدركًا أن الأخلاق، ليست عبئًا عابرًا بل جوهرًا لا يُقايَض. هؤلاء لا تلمع أسماؤهم سريعًا، ولا تُفتح لهم الأبواب بسهولة، لكن حضورهم، حين يظهر، يكون صادقًا، لا يحتاج إلى ضجيج، ولا إلى تصفيق، لأن قيمهم لا تستمد قوتها من السوق، بل من ضمير لا يعرف المساومة.




