جيل المتقاعدين الجدد: حياة ما بعد الوظيفة بين الطموح والواقع

ضربة قلم
إذا كان جيل الأمس من المتقاعدين يكتفي بانتظار “صرف المعاش” والجلوس في المقاهي أو حضور جلسات الأحياء، فإن جيل المتقاعدين الجدد مختلف تمامًا. نحن أمام فئة قضت سنوات طويلة في مؤسسات عمومية وخاصة، لكن بخلاف أسلافها، راكمت مستوى ثقافي وفكري متقدم، وكثير منهم يتقن لغات أجنبية، يواكب التكنولوجيا، ويسافر باستمرار.
هؤلاء المتقاعدون لم يعودوا ينظرون إلى التقاعد كـ”نهاية”، بل يرونه بداية مرحلة ثانية من الحياة. فبدل الانكماش، أصبحوا يبحثون عن:
-
مشاريع صغيرة: مقاهي ثقافية، مكتبات، تعاونيات، أو حتى استثمار في الفلاحة العصرية.
-
أنشطة تطوعية: كثير منهم يدخلون عالم الجمعيات، إما لتعليم أطفال القرى، أو لمحو الأمية، أو لنقل خبراتهم المهنية.
-
رحلات وسفر: الجيل الجديد لا يرضى بالبقاء حبيس الجدران، بل يضع خططًا للسياحة داخل وخارج المغرب، وغالبًا ما يخصص جزءًا من تقاعده لهذه المغامرات.
-
الرياضة والصحة: لم يعد التقاعد مرتبطًا بالكرسي والمرض، بل صار مرتبطًا بالاشتراك في قاعات الرياضة، المشي اليومي، أو حتى ركوب الدراجات.
لكن رغم هذه الدينامية، يواجه المتقاعدون الجدد معضلات حقيقية:
-
نظرة المجتمع: لا يزال المتقاعد عند الكثيرين مرادفًا لـ”انتهى دوره”، في حين أن خبراته يمكن أن تساهم في الاقتصاد والمجتمع.
-
المؤسسات الرسمية: لا برامج مواكبة ولا سياسات لإدماج المتقاعدين في الحياة العامة، بل غالبًا ما يُختزل المتقاعد في رقم تأجير يُنادى به عند صرف المعاش.
-
التفاوت المادي: هناك فرق كبير بين من تقاعد بمعاش مريح ومن بالكاد يكفيه لأبسط الحاجيات.
-
الفراغ الوجودي: حتى مع الإمكانيات، يجد بعض المتقاعدين صعوبة في ملء أوقات فراغهم بما يمنحهم المعنى.
إذن، نحن أمام تحول اجتماعي وثقافي: متقاعدون جدد يرفضون الموت البطيء، ويبحثون عن أفق ثانٍ. وبين طموحاتهم وحدود السياسات العمومية، تبقى “حياة ما بعد الوظيفة” مسرحًا لصراع جديد بين الفرد والدولة، وبين الحلم والواقع.




