
ضربة قلم
في عالم تتعاقب فيه الأجيال وتتبدّل فيه خرائط التأثير، يطلّ جيل “زد” (Génération Z) على المشهد السياسي المغربي من بابٍ غير مألوف: باب البرلمان. هذا الجيل الذي نشأ على الهواتف الذكية، وتربّى على الإيجاز الرقمي والتمرد الناعم، يجد نفسه اليوم أمام تجربة جديدة تموّلها الدولة بسخاء: 35 مليون سنتيم لكل مرشح شاب لا يتجاوز عمره الثلاثين. خطوة تُقرأ في ظاهرها كاستثمار في المستقبل، لكنها في عمقها اختبار لمدى قدرة السياسة على التجدد الفعلي، لا الشكلي.
قد يقول قائل إن المغرب يُراهن على دماء جديدة لتغيير صورة برلمانٍ فقد بريقه لدى الناس. لكن، خلف هذه المبادرة تكمن أسئلة أعمق:
هل نحن أمام مشروع لتخريج جيلٍ سياسي جديد يؤمن بالفعل العمومي؟ أم أمام إعادة إنتاج لنفس المسرحية بوجوه أكثر شبابًا وأقلّ تجربة؟
جيل “زد” ليس جيل الشعارات ولا الوعود الطويلة. إنه جيل يرى العالم بسرعة “الريل تايم”، يفرّق بين الصدق والتصنع، ويستطيع في تغريدة واحدة أن يسقط خطابًا كاملاً. هؤلاء الشباب، إن دخلوا السياسة بعقلهم الحرّ، لا بشروط الأحزاب التقليدية، قد يؤسسون مستقبلاً حزبًا رقمياً حقيقياً، يمتد تأثيره من الهاتف إلى الشارع، ومن المنصّة إلى البرلمان.
حزب لا يحتاج إلى الزغاريد في المهرجانات الانتخابية، بل إلى “لايكات” مقنعة، ولا يسعى إلى الولاء بقدر ما يسعى إلى الإقناع.
في المقابل، الأحزاب القديمة التي شاخت على الكراسي، وفقدت قاعدتها الشعبية، قد تجد نفسها خارج اللعبة.
فزمن بيع التزكيات كسلعة موسمية لتسمين جيوب الزعماء قد ولّى، وزمن “المال الكحل” الذي كان يُعبد الطريق إلى البرلمان صار مكشوفًا في زمن الشفافية الرقمية. فكيف يمكن لمن ما زال يعيش بمنطق “الزعيم التاريخي” أن يقنع جيلاً يعيش بمنطق “الهاشتاغ اللحظي”؟
ربما تكون مبادرة دعم الشباب خطوة ذكية لبعث نفس جديد في الحياة السياسية، لكنها أيضًا مغامرة محفوفة بالمفاجآت.
فجيل “زد” لا يُشبه من سبقه، ولا يخاف من قول الحقيقة في وجه الكاميرا. وإن استطاع أن يستثمر الدعم بحكمة، فسيصنع حزبًا يليق بزمنه، حزبًا بلا زعيم ولا مظلة، بل برؤية جماعية، تعيد السياسة إلى معناها الأصلي: خدمة الناس لا المتنفذين.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل سينجح برلمان “زد” في إنعاش السياسة المغربية، أم سيكتشف أن اللعبة القديمة أقوى من الحماس الجديد؟




