جيل مكسور الظهر: حين يُولد الأبناء آباءً قبل الأوان

ضربة قلم
في مجتمعات تعاني من هشاشة اقتصادية وتصدّعات اجتماعية عميقة، يبرز مشهد مؤلم اسمه “الإعالة العكسيّة”، حيث يُضطر الأبناء لتحمّل أعباء لم يكونوا مؤهلين لها لا جسديًا ولا نفسيًا، ولا حتى قانونيًا. إنه انقلاب على المنطق الطبيعي الذي يُفترض فيه أن الآباء هم من يتولّون رعاية الأبناء، إلى أن يشتدّ عودهم ويأخذوا مكانهم في دورة الحياة. غير أن هذا المنطق يُكسر في العديد من البيوت المغاربية والعربية، خاصة في الطبقات الهشة، فيتحوّل الطفل إلى رجل قبل الأوان، وتتحوّل الطفلة إلى امرأة تمسح دموع والدتها وتُراكم المسؤوليات على كاهلها الصغير.
ليس الحديث هنا عن البرّ بالوالدين، ولا عن تلك اللحظة الطبيعية التي يُصبح فيها الشاب سندًا لأبيه أو معينًا لأمه بعد أن يتخرّج ويشتغل ويشق طريقه. بل عن جيل بأكمله حُرم من هذه الرحلة، وقُذف به إلى دوّامة المسؤوليات فجأة، دون إعداد أو تخطيط. تلميذ في الخامسة عشرة، يُطلب منه أن يترك مقعد الدراسة ليساعد والده في البناء، أو يلتحق بورشة النجارة أو ميكانيك السيارات، أو حتى يصبح بائعًا متجولًا في الأسواق. فتاة في الرابعة عشرة، تقطع علاقتها بالدراسة لتُعين والدتها في أعمال البيوت، أو لتشتغل في معمل، أو لتساعد في تربية إخوتها الصغار لأن الأب غائب، أو لأنه عاجز عن الإنفاق، أو لأنه ببساطة غير موجود.
جيل الإعالة العكسيّة هو جيل مُجهد، فاقد للطفولة، مُثقَل بهموم أكبر من سنّه، وأحلامه مُعلّقة أو مشروخة. لا وقت لديه للتفكير في الذات أو في المستقبل، لأنه يعيش تحت الضغط اليومي لتوفير لقمة العيش. جيل تعوّد أن يضع “رغباته” على الرف، وأن يقدّم نفسه “ضحية” دون أن يشتكي كثيرًا، لأنه يرى أن البديل هو الخراب التام. هذا الجيل يُدرّب نفسه على النضج القسري، يتعلّم كيف يُخفي تعبه، ويُمارس رجولةً مستعجلة، أو أمومةً مبتورة، ويجد نفسه فجأة كبيرًا، في مجتمع لا يرحم، ولا يقدّر حجم التضحية.
هذا الواقع لا يرتبط فقط بغياب الدولة الاجتماعية، بل أيضًا بثقافة تُبرّر الاستغلال الداخلي داخل الأسرة، وتمنح للمفاهيم المشوّهة قيمة أخلاقية. فحين يُقال لطفلٍ “راك راجل الدار”، أو لفتاةٍ “ها نتي ولاتي مرا وقد المسؤولية”، لا يُفهم من ذلك سوى أنها نهاية الرحلة التعليمية، وبداية العمل الإجباري في سبيل الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأسري. حتى وإن كان ذلك على حساب كل شيء: الصحّة النفسية، المستقبل الدراسي، إمكانيات التطور الذاتي.
من المضحك المبكي أن بعض المؤسسات تتعامل مع هؤلاء كما لو كانوا أحرارًا في قراراتهم، بينما في الحقيقة هم رهائن لواقع لا يُمهلهم حتى فرصة التردّد. كيف يمكن لتلميذ أن يختار بين المدرسة والعمل، إذا كانت عائلته ستجوع في غيابه؟ كيف يمكن لفتاة أن تحلم بالجامعة، إذا كانت أمها المريضة لا تقوى على رعاية إخوتها؟ أين الحرية، إذا كان البيت قائمًا على أكتاف هشّة؟
جيل الإعالة العكسيّة هو جيل الحفر في الصخر، يسير بعكس التيار، يبتسم للكاميرا حين يُطلب منه ذلك، لكنه يعرف أن خلف تلك الابتسامة آلاف الليالي من القلق والإرهاق. هو جيل لا يملك ترف الانهيار، ولا يملك حتى رفاهية البوح. كل ما يريده هو أن يُفهم، لا أن يُدان. أن يُنظر إليه كضحية نظام، لا كمجرد “شخص لم يدرس لأنه لا يريد”. وما أكثر تلك الأحكام الجاهزة التي تصدر على هذا الجيل، دون محاولة فهم السياق أو الخلفيات.
ليس من السهل أن تطلب من شاب أن يحلم، إذا كان محاصرًا بسقف يتساقط، وبمصاريف كهرباء غير مؤداة، وبأب مريض لا يملك تغطية صحية. وليس من السهل أن تطلب من فتاة أن تثق بنفسها، إذا كانت تستيقظ كل يوم لتذهب إلى معمل نسيج لا يحترم الحد الأدنى من شروط الكرامة، ثم تعود لترعى بيتًا بأكمله. هؤلاء لا يعيشون فقط “الإعالة العكسيّة”، بل يعيشون انقلابًا وجوديًا، يتم فيه خلط كل الأدوار، ودفن مراحل النمو الطبيعية تحت ركام الواقع القاسي.
جيل الإعالة العكسيّة هو عنوان صارخ للفقر، لكنه أيضًا مؤشر لفشل السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي لم تضع كرامة الأسرة في صلب أولوياتها. هو أيضًا نتاج لصمت طويل عن الأوضاع الاجتماعية المزرية، وعن الفجوة المتزايدة بين ما يُقال في الخطب، وما يُعاش في البيوت. وما لم يتم كسر هذا الصمت، ستبقى الإعالة العكسيّة قاعدة في مجتمعاتنا، لا استثناءً. وسنظل ننظر إلى الأطفال وهم يتحوّلون إلى أولياء أمور قبل أن تُنبت وجوههم شعيرات الرجولة.





https://shorturl.fm/vRNA5