حافلات بنسليمان تشعل الحرب عند مدخل المحمدية… واش راحة “المزاليط” ولات كتقلق البعض؟

ضربة قلم
هناك أشياء في هذا البلد لا تحتاج إلى لجان تحقيق ولا دراسات معقدة… يكفي فقط أن تركب مع المواطنين في ساعة الذروة، لتفهم أن “التنقل” عند فئة واسعة من المغاربة، لم يعد خدمة، بل أصبح رياضة يومية في الصبر والتحمل والأعصاب.
في بنسليمان، كثير من الناس لم يكونوا ينتظرون حافلات جديدة، لأنهم يحبون الحافلات، بل لأنهم تعبوا من الحسابات اليومية التي تبدأ مع أول ضوء صباح:
“واش غنلقى بلاصة؟ واش الطاكسي غادي يعمر؟ واش الثمن غادي يزيد؟ واش غنوصل فالوقت؟”
لهذا، حين خرجت أولى الحافلات نحو المحمدية، شعر البعض وكأن المدينة أخيرًا قررت أن تتذكر أبناءها البسطاء.
الطلبة تنفسوا قليلًا.
العمال تخيلوا أنهم ربما سيصلون للعمل، دون سباق يومي مع المجهول.
والأسر قالت في سرها: “يمكن أخيرًا غنقصو شوية من مصاريف النقل اللي ولات كتبلع الدخل.”
لكن يبدو أن أي محاولة لتخفيف العبء عن المواطن عندنا، تمر دائمًا عبر حقل ألغام.
ما وقع لم يكن مجرد احتكاك عابر بين مهنيين، بل كشف شيئًا أعمق:
في المغرب، كل مشروع، يمكن أن يتوقف إذا شعر أحدهم أن مصالحه مهددة… حتى ولو كانت المصلحة العامة تنتظر منذ سنوات.
وهنا يصبح المواطن المسكين مجرد “كومبارس” في فيلم طويل عنوانه:
“من يملك الشارع أكثر؟”
الغريب أن النقاش يتحول بسرعة من حق الناس في النقل إلى معركة نفوذ.
الكل يتحدث عن التوازنات… إلا المواطن.
الكل يدافع عن “مصالحه المشروعة”… إلا ذلك الشاب الذي يقضي نصف عمره في الانتظار بمحطة مهترئة.
الكل يرفع صوته… إلا المرأة التي تضطر يوميًا، للتنقل وسط الاكتظاظ والإهانة والتأخير.
والأطرف أن المواطن المغربي أصبح يعيش معادلة عجيبة:
إذا لم توجد الحافلات يشتكي…
وإذا جاءت الحافلات تبدأ الحرب عليها!
وكأن هذا الشعب مطلوب منه فقط أن يؤدي ثمن الفوضى بهدوء، دون أن يحق له حتى الحلم بحل بسيط ومحترم.
لا أحد ضد سائقي الطاكسيات، فكثير منهم بدورهم ضحايا واقع اقتصادي صعب، لكن هل الحل هو أن يبقى الجميع غارقين في الأزمة؟
هل المطلوب أن نحارب أي بديل فقط لأن “السوق تعود على الفوضى”؟
الدول التي تحترم مواطنيها لا تطرح السؤال بهذه الطريقة أصلًا.
هناك النقل العمومي، وهناك سيارات الأجرة، وهناك القوانين التي تنظم العلاقة بين الجميع.
أما عندنا، ففي كل مرة يظهر مشروع جديد، نتصرف وكأننا ندخل في “حرب بقاء”، لا في عملية تنظيم حضاري لمدينة يفترض أنها تتطور.
المؤلم في كل هذا أن المواطن البسيط لم يعد يطلب الكثير.
لا يطلب قطارات فائقة السرعة ولا حافلات فاخرة.
يريد فقط أن يصل إلى عمله، دون أن يشعر أنه خرج من معركة.
يريد فقط أن يعود إلى بيته، دون أن يضيع نصف يومه في الانتظار والازدحام والمساومات.
لهذا فالسؤال الحقيقي اليوم ليس:
من ربح الجولة بين الحافلات والطاكسيات؟
بل:
متى سنفهم أن كرامة المواطن أهم من كل الحسابات الضيقة؟




