ضربة قلم
أفادت وكالات أنباء عالمية، خلال الساعات الأخيرة، بشنّ الولايات المتحدة غارات جوية واسعة، على أهداف حيوية في فنزويلا، شملت مطارات وموانئ في العاصمة كاراكاس، ومحيط القصر الجمهوري “ميرافلوريس”، إضافة إلى مواقع تابعة لشبكات الدفاع الجوي، ومبانٍ رسمية، يُعتقد أنها لكبار المسؤولين، من بينهم وزير الدفاع. ووفق نفس المصادر، أعلنت الحكومة الفنزويلية حالة الطوارئ والتعبئة العامة، بينما صدرت مواقف إقليمية ودولية، تحذّر من خطورة التصعيد وتداعياته على أمن واستقرار أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.
لا نعتقد أن الشعب الأمريكي راضٍ عمّا يجري باسمه، ولا عمّا يُرتكب تحت راية “حماية الأمن القومي”، إن لم يكن دونالد ترامب نفسه، قد اختار عن وعي أن يضع آخر مسمار في نعش ما تبقّى من صورة أمريكا، كقوة تحترم العقل والإنسان. فالمواطن الأمريكي، الذي أنهكته الحروب المفتوحة والملفات الخارجية العبثية، لم يُفوّض رئيسه، ليُعيد إنتاج أسوأ كوابيس العراق، ولا ليُقنعه بكذبة جديدة عن “مخدرات” تُستخدم هذه المرة ذريعةً، لتدمير دولة ذات سيادة في أمريكا اللاتينية.
جوهر هذه الرواية يقول إن واشنطن، اختلقت اتهامًا لفنزويلا بتصدير الكوكايين والفنتانيل إلى الولايات المتحدة، رغم أن المعطيات المعروفة تضع مصادر الفنتانيل أساسًا في الصين، وقنوات تهريبه الكبرى عبر المكسيك، بينما يأتي الكوكايين إلى السوق الأمريكية أساسًا من كولومبيا وبيرو وبوليفيا، مع مساهمة فنزويلية محدودة لا ترقى إلى تبرير حرب أو حصار شامل. ومع ذلك، جرى تضخيم هذه الاتهامات لتحويلها إلى مبرر، لحصار خانق وحشد عسكري غير مسبوق، في الكاريبي وأمريكا الوسطى، هدفه الحقيقي إسقاط نظام نيكولاس مادورو.
الخطاب لا يقف عند “المخدرات”، بل يعيدنا مباشرة إلى بيت القصيد: النفط. ففنزويلا تملك واحدًا من أكبر الاحتياطات النفطية في العالم، من الخام الثقيل الذي تحتاجه الصناعة الأمريكية. هنا تتقاطع المصالح الاقتصادية، مع الهواجس الجيوسياسية؛ فواشنطن لا تريد فقط نفط كاراكاس، بل تريد أيضًا إخراج الصين وروسيا من أمريكا اللاتينية، التي تعتبرها – صراحة أو ضمنًا – مجالها الحيوي التاريخي. وفي هذا السياق، تُقرأ فنزويلا كحلقة في صراع أكبر، تُساوَم فيه موسكو في أوكرانيا، وتُحاصَر فيه بكين في نصف الكرة الغربي.
فنزويلا، في هذا السرد، تبدو دولة يتيمة بالكامل: محاصَرة، منهكة اقتصاديًا، بلا حلفاء مستعدين للمغامرة بمواجهة واشنطن. تاريخها القريب مليء بمحاولات كسر إرادتها: انقلاب فاشل عام 2002، رهانات على معارضين لم ينجحوا، عقوبات خانقة، وضغوط متواصلة. “جريمتها” الأساسية، كما يُقدَّم الأمر، أنها رفضت الخضوع، وأمّمت نفطها، وانحازت بسياساتها الاجتماعية للفقراء، واحتفظت بقرارها السيادي، بعيدًا عن شركات النفط العملاقة.
الخلاصة التي يريد هذا الخطاب إيصالها واضحة: ما يُرسم لفنزويلا هو إعادة إنتاج لسيناريو العراق، بنفس اللغة، ونفس الذرائع، ونفس الغطرسة. ترامب، في هذه الصورة، ليس استثناءً ولا “محبّ سلام”، بل امتدادٌ لنهج أمريكي قديم، يرى في القوة العسكرية الحلّ الأسهل، وفي الكذب السياسي، أداة مشروعة. وبينما تُدفع شعوب بأكملها ثمن “صراع الأفيال”، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتعلم الإنسانية من كوارثها، أم تترك العالم، يُقاد مرة أخرى بمنطق الحرب، تحت شعارات زائفة وأكاذيب مُعاد تدويرها؟
تنبيه: الصورة تعبيرية لأغراض التوضيح الصحفي.