الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حتى الموت عندنا فيه «VIP»؟.. حين تنتهي المساواة أمام القبر وتبدأ «الحظوة» من بوابة المقبرة

ضربة قلم

في الدول التي تحترم مواطنيها، لا تجد فرقاً بين قبر هذا وذاك، ولا بين فقير وميسور، ولا بين صاحب منصب ومواطن بسيط. فالموت، في النهاية، لا يعترف بالألقاب ولا بالجاه ولا بالنفوذ.

أما عندنا، فحتى المقابر، يبدو أنها لم تنجُ من منطق الامتيازات؛ بطون الحرام لها أحياناً نصيبها من الأماكن المميزة، بينما يُترك المواطن البسيط، يبحث حتى بعد موته عن متر من التراب لا ينافسه فيه أحد.

وكأن بعض الناس يريدون أن يحملوا معهم إلى القبر كل ما جمعوه في الدنيا: المال، والجاه، والعلاقات، وحتى الامتيازات… وكأن الموت أيضاً، أصبح يحتاج إلى «معرفة».

وإذا كان الإنسان في حياته، يستطيع أن يسكن في حي راقٍ أو حي شعبي، ويستفيد من خدمات ممتازة أو يظل ينتظرها، فالمفاجأة أن هذه «الفلسفة»، قد تلاحقها حتى بعد وفاته!

حتى القبر، قد يصبح عندنا سؤالاً في العدالة المجالية!

والأخطر أن هذا الكلام، ليس مجرد انطباعات أو حكايات تتناقلها المقاهي.

فالمعطيات الرسمية المنشورة في تقرير للمجالس الجهوية للحسابات حول تدبير مقابر المسلمين، تكشف صورة أقل جمالاً، بكثير مما يفترض أن تكون عليه أماكن دفن الموتى. فالمغرب يتوفر على 29.081 مقبرة، منها 27.674 في المجال القروي، كما استنفدت 919 مقبرة طاقتها الاستيعابية. والتقرير نفسه، يسجل أن تنظيف عدد كبير من المقابر، لا يتم بشكل دائم، وأن حملات التنظيف، قد لا تتجاوز مرة في السنة أو أكثر، بينما تتركز أساساً في المقابر الكبرى داخل المدن، ولا تشمل بالقدر نفسه المقابر الصغرى والمغلقة.

وهنا بالضبط تبدأ الحكاية، التي لا تحتاج إلى كثير من الخيال.

تدخل بعض المقابر، فتجد ممرات واضحة، وأسواراً، وبوابات، وحراسة، ونظافة، وأحياناً عناية تليق فعلاً بحرمة المكان.

وتدخل مقابر أخرى، فتحتاج إلى أن تكون رياضيَّاً محترفاً في القفز على الأعشاب والحفر والحجارة حتى تصل إلى قبر قريب منك!

أما إذا كنت من أصحاب «الحظ التعيس»، فقد تجد نفسك أمام مقبرة، تحتاج إلى حملة إنقاذ أكثر، مما تحتاج إلى زيارة عائلية.

أعشاب برية.

أشواك.

حشرات.

زواحف.

ممرات شبه غائبة.

وأحياناً أماكن، تبدو وكأنها، تُركت للزمن كي يتكلف بكل شيء!

والغريب أن بعض المقابر، لا تحتاج إلى مشروع ضخم، ولا إلى ميزانية خيالية، حتى تستعيد شيئاً من كرامتها.

تحتاج فقط إلى أن يتذكر المسؤول أنها موجودة.

نعم، بهذه البساطة.

فالتقرير الرسمي نفسه، يشير إلى قصور في الصيانة والاستغلال، وضعف البرمجة المالية والترابية، ونقص الموارد البشرية المؤهلة، وقصور في تتبع وتقييم وضعية المقابر. كما أن مسؤولية إحداث وتدبير مقابر المسلمين، بما يشمل التخطيط والإنجاز والتدبير والصيانة، موكولة إلى الجماعات.

وهنا يحق للمواطن أن يطرح سؤالاً بسيطاً جداً:

إذا كانت المقبرة مرفقاً عمومياً، فلماذا لا تعامل دائماً باعتبارها مرفقاً عمومياً؟

لماذا يمكن أن نجد شارعاً يتم تنظيفه باستمرار، وساحة تُهيأ، وحديقة تُسقى، ومكاناً عمومياً يُرمم، بينما المقبرة لا تتحرك إليها الجرافات، إلا عندما يصبح الوضع محرجاً، أو عندما تقترب مناسبة دينية، أو تكثر شكايات المواطنين؟

هل يحتاج الميت أيضاً إلى واسطة حتى يتم تنظيف الطريق المؤدي إلى قبره؟

هل ينبغي على العائلة، أن تكون «معروفة» حتى يحصل قبر فقيدها على موقع محترم؟

وهنا يجب أن نكون دقيقين: ليس كل قبر جيد الموقع نتيجة محسوبية، وليس كل قبر في مكان متواضع نتيجة تمييز. ولا يجوز اتهام أشخاص أو جماعات أو مسؤولين بممارسات غير مثبتة.

لكن إذا كان المواطنون يلاحظون تفاوتاً في مواقع الدفن، أو في العناية بالمقابر، فالسؤال المشروع هو: هل توجد معايير واضحة وموحدة؟

لأن العدالة، لا تعني فقط أن تمنع التمييز؛ بل تعني أيضاً أن تجعل المواطن يعرف لماذا حصل هذا على هذا المكان، ولماذا حصل ذاك على مكان آخر.

أما أن تبقى الأمور في منطقة رمادية، حيث لا أحد يعرف من يقرر وكيف يقرر ولماذا يقرر، فهنا تبدأ الأسئلة.

والحكاية، لا تتوقف عند النظافة.

هناك أيضاً مشكلة أعمق: نحن لا نتعامل دائماً مع المقابر باعتبارها جزءاً من التخطيط الحضري والقروي، بل نكتشف أحياناً حاجتنا إليها عندما يصبح المكان ضيقاً.

والأرقام الرسمية تقول إن هناك حاجة سنوية، لتوفير مساحات جديدة للدفن، مع تقدير المساحة الدنيا اللازمة بحوالي 70 هكتاراً سنوياً وفق المعايير الواردة في التقرير، دون احتساب بعض المناطق الواقية.

بمعنى آخر:

حتى الموت يحتاج إلى تخطيط استراتيجي!

والميت، عكس بعض المشاريع، لا يستطيع أن ينتظر انتهاء الدراسات التقنية، ومسطرة الصفقات، وإعادة البرمجة.

سيصل إلى المقبرة في موعده.

أما الإدارة، فيبدو أنها أحياناً تحتاج إلى موعد آخر!

والأكثر إثارة أن التقرير، يتحدث عن إشكالات مرتبطة بالوعاء العقاري نفسه؛ فملكية أراضي المقابر موزعة بين الجماعات والجماعات السلالية والخواص وجهات أخرى، مع تسجيل نقص في الوثائق القانونية، والتقنية المتعلقة بعدد كبير من المقابر.

يعني حتى المقبرة، يمكن أن تدخل في متاهة:

هذا يقول إنها أرض الجماعة، وذاك يقول إنها حبس، والآخر يقول إنها ملك خاص… والميت وحده لا يستطيع أن يقدم تعرضاً!

يا لها من مفارقة.

في الحياة، المواطن يطالب بحقه في السكن.

وبعد الموت، يحتاج فقط إلى مكان محترم ليرقد فيه.

لكن يبدو أن حتى هذا الحق البسيط، يحتاج إلى حكامة جيدة.

والحكامة، كما نعرفها، كلمة جميلة جداً في التقارير.

تظهر في العناوين.

تظهر في الندوات.

تظهر في العروض التقديمية.

لكن عندما يصل المواطن إلى المقبرة، ويجد الأعشاب، والأشواك، والحشرات، والممرات المهدمة، يسأل نفسه:

أين ذهبت الحكامة؟

ربما توقفت عند باب المقبرة!

والحل ليس مستحيلاً.

بل ربما هو أبسط مما نتخيل:

جرد وطني حقيقي للمقابر، تحديد مسؤولية كل طرف، برنامج صيانة دوري ومعلن، حراسة حيث يلزم، تنظيف منتظم، ممرات واضحة، أسوار وبوابات عند الحاجة، إنارة في المواقع المناسبة، ونظام شكايات يمكن للمواطن أن يتابع من خلاله، ما تم بشأن مقبرة حيه أو قريته.

والأهم من كل ذلك:

أن تكون هناك معايير موحدة للدفن، لا تترك مجالاً للشك في وجود امتيازات غير مبررة.

لأن المقبرة، هي آخر مكان، يفترض أن يشعر فيه المواطن، بأنه أقل قيمة من غيره.

هناك، لا ينبغي أن يكون للمنصب وزن.

ولا للمال.

ولا للنفوذ.

ولا للقبيلة.

ولا للحزب.

ولا للجاه.

ولا لعدد السيارات التي كانت تتوقف أمام البيت.

القبر لا ينبغي أن يكون امتداداً للطبقية الاجتماعية.

فالذي كان يملك الملايين والذي كان يملك دراهم معدودة، كلاهما في النهاية يحتاج إلى حفرة، تحفظ كرامته.

والذي كان يسكن في فيلا والذي كان يعيش في غرفة ضيقة، كلاهما يستحق أن يُدفن في مكان نظيف ومحترم.

والذي كان يصفق له الناس، والذي لم يكن أحد يعرف اسمه، كلاهما إنسان.

وربما تكون المفارقة الكبرى أن المقبرة هي المكان الوحيد الذي كان يفترض أن تسقط فيه كل الفوارق التي صنعتها الحياة.

لكن إذا وصلنا إلى مرحلة، أصبح فيها المواطن يشعر أن حتى الأموات عندهم «درجة أولى» و«درجة ثانية»، وأن بعض المقابر، تحظى بالعناية، فيما تُترك أخرى للأعشاب والزواحف والإهمال، فالمشكلة، لم تعد مشكلة مقابر فقط.

إنها مشكلة نظرة إلى الإنسان نفسه.

لأن احترام الموتى، ليس مجاملة للموتى.

إنه في الحقيقة اختبار لاحترام الأحياء.

والدولة أو الجماعة التي تحترم مواطنيها، لا تنتظر أن يخرج الموتى في احتجاج جماعي، حتى تنظف مقابرهم!

ثم بالله عليكم…

ماذا بقي لنا حتى نطلب من الميت، أن يقدم ملفاً إدارياً لإثبات أنه يستحق قبراً محترماً؟

لقد عاش مواطناً.

ودفع ما عليه.

وساهم، كل حسب قدرته، في بناء هذا البلد.

وحين انتهت رحلته، لا نطلب منه قصراً ولا حديقة ولا نافورة.

نطلب فقط:

حفرة نظيفة… وممرّاً محترماً… ومكاناً لا تزاحمه فيه الحشرات والثعابين… وكرامة لا تحتاج إلى واسطة.

فإذا كانت المساواة، تبدأ من أمام القانون، فإنها ينبغي ألا تنتهي عند باب المقبرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.