الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الرأي

حديث الإثنين: شيشاوة.. البلدة التي بداخلي

عبد الله الشخص

بداية، أود أن أقول شيئاً عن هذا الركن الذي اخترت له اسم «حديث الإثنين».

لم أختر هذا الاسم اعتباطاً، ولم يكن اختيار يوم الإثنين، مجرد صدفة أو بحثاً عن عنوان مختلف.

اخترت أن يكون هذا الحديث صباح كل إثنين، مع بداية أسبوع جديد، لأنني أريد له أن يكون، قبل كل شيء، فأل خير.

أريد أن أفتح مع القارئ، كل إثنين، نافذة صغيرة على فكرة، أو ذكرى، أو موقف، أو مدينة، أو إنسان، أو قضية تستحق أن نتوقف عندها قليلاً، بعيداً عن صخب الأخبار اليومية، وبعيداً عن سرعة الهاتف، وبعيداً عن ذلك العالم الذي أصبح فيه الخبر يعيش دقائق، ثم يموت ليأتي بعده خبر آخر.

أما «حديث الإثنين»، فأريده أن يعيش أكثر من ذلك.

أريده أن يكون حديثاً هادئاً، لكنه ليس بالضرورة ناعماً.

حديثاً من القلب، لكنه لا يخاف من العقل.

حديثاً يستحضر الماضي، لا لكي نبقى أسرى له، وإنما لكي نفهم من أين جئنا، وكيف وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.

ولدي حلم صغير، أتمنى أن يتحول يوماً إلى حقيقة: أن أجمع هذه الأحاديث في كتاب.

قد يكون كتاباً يحمل الاسم نفسه: «حديث الإثنين».

وحينها، ربما سأعود إلى كل هذا الذي كتبته، وسأكتشف أنني لم أكن أكتب مجرد مقالات، وإنما كنت، من حيث لا أشعر، أرتب بعض أوراق العمر.

واليوم… لا أريد أن أتحدث عن نفسي

أقول هذا لأنني سأضطر، في البداية، إلى الحديث قليلاً عن شخصي المتواضع البسيط.

لكنني لا أريد أن يتحول هذا الحديث إلى سيرة ذاتية، ولا إلى سرد للمهام التي اديتها، ولا إلى استعراض لمسار مهني امتد لعقود.

أنا اليوم أريد أن أتحدث عن شيشاوة واناسها الذين يسكنون بداخلي.
شيشاوة التي لم تكن بالنسبة إليّ مجرد بلدة
مررت بها في مرحلة من العمر.
شيشاوة هي المكان الذي أنجبني.
هي مسقط الرأس.
هي الطفولة.
هي أول الوجوه التي حفظتها الذاكرة.

هي الأزقة التي كانت تبدو لي، وأنا طفل، أوسع من الدنيا كلها.
هي رائحة الأرض بعد المطر.
هي الوجوه التي لا تحتاج إلى بطاقة تعريف، حتى تعرف أصحابها.

هي ذلك الإحساس الغريب الذي لا يفهمه، إلا من ابتعد عن المكان الذي ولد فيه: كلما ابتعدت عنه، اكتشفت أنه يسكن اعماقك و لم تبتعد عنه أبداً
كلما تقدم بك العمر، عاد المكان الأول إلى داخلك بقوة أكبر.

ولهذا، أقول دائماً إن شيشاوة بالنسبة إليّ، ليست مجرد مدينة.
إنها وطني الصغير.

من شيشاوة إلى ايمنتانوت الجميلة ثم مراكش… ومن هذه الأخيرة إلى الرباط

في شيشاوة، وُلدت وترعرعت.

وحين بلغتُ السن التي كان لا بد فيها من الانتقال إلى مدينة مراكش لاستكمال دراستي، بدأت مرحلة أخرى من حياتي.

ولأنني ابن أسرة جد متواضعة، فقد كانت كل خطوة دراسية جديدة، تعني بالنسبة إلى والديّ، رحمهما الله، تضحيةً ومصاريفَ جديدة.

وأقولها اليوم، وأنا أكبر سناً وأكثر إدراكاً لقيمة الأشياء:

كم أرهقتُ ميزانية والديّ المتواضعة، دون أن أدرك يومها، حجم ما كانا يبذلانه من أجلي.

من مراكش بدأت الرحلة، ومنها انتقلت إلى مرحلة جديدة، قبل أن أنجح في اجتياز مباراة ولوج المعهد العالي للصحافة والاتصال، لأنتقل بعدها إلى الرباط من أجل الدراسة واكتشاف عوالم أخرى مختلفة.

وهناك أيضاً فصول أخرى من حياتي الدراسية والمهنية، لكل فصل منها حكايته وذكرياته.

بعد تخرجي، اشتغلت سنوات في عدد من الجرائد الوطنية والعربية، أذكر منها «الاتحاد» الإماراتية و«زهرة الخليج»، ثم التحقت بوزارة الإعلام، في مرحلة كانت فيها الدولة تشتغل بمنطق مختلف، وكانت الصحافة والإدارة والسلطة تتقاطع في فضاء واحد.

ثم جاءت الصدفة التي ستغيّر مساراً آخر من حياتي.

بعدها اشتغلت بعمالة إقليم سطات، مسؤولاً عن التواصل المؤسساتي، لأدخل بذلك تجربة مهنية جديدة، مختلفة في طبيعتها عن عالم الصحافة، لكنها لم تكن بعيدة عن عالم الإعلام والتواصل الذي ظل حاضراً في مسيرتي.

اشتغلت بجانب عدد من مسؤولي الدولة من ولاة وعمال ومنتخبين ، وعرفت رجالاً كانوا يدركون أن الصحافة، ليست خصماً للإدارة، و الخبر ليس عدواً للمسؤول، وأن النشر، يمكن أن يكون وسيلة لخدمة المؤسسة و المنطقة، وليس وسيلة لإحراج هذا المسؤول أو ذاك.
لكن ، مهما عاش الانسان في مكان آخر، يبقى ابن المكان الذي ولد فيه.

وإذا كان الإنسان يستطيع أن يغير عنوانه، فإنه لا يستطيع أن يغير ذاكرته.

شيشاوة ليست مجرد اسم على الخريطة
قد يقول لي أحدهم:
ما الذي يجعلك، بعد كل هذه السنوات، تعود للحديث عن شيشاوة؟
أجيب ببساطة:
لأن الإنسان لا يعود إلى المكان فقط…
بل يعود إلى نفسه.
وأنا حين أتحدث عن شيشاوة، لا أتحدث عن بنايات وازقة واسواق ومرافق فقط بل

أتحدث عن اناس.
في الجزء الذي يهمني أكثر في هذا الحديث:
أهل شيشاوة، وأبناء أبي السباع على وجه الخصوص.
ولمن لا يعرف المنطقة جيداً، أقول له:
قد تجد فيها البساطة وقلة الحاجة، نعم
وقد تجد فيها أسرة تحسب مصاريف اليوم، وتفكر ألف مرة قبل أن تشتري شيئاً ليس ضرورياً.

ولكنك قد تدخل بيتاً بسيطاً، فتجد صاحبه يستقبلك بوجه بشوش، وكرمٍ طائيٍّ، ويتقاسم معك آخر ما لديه، وكأنه يملك الدنيا كلها.وهنا توجد مفارقة جميلة جداً:
قد يكون الجيب فقيراً، لكن القلب غنيا.
وهذه ليست عبارة إنشائية أقولها من باب الحنين.
إنها صورة عشتها، وعرفتها، وعاينتها وتعاملها مع أبناء جلدتي.
الضيف قبل الجيب
في مناطق مثل بلدة شيشاوة، لم تكن قيمة الإنسان، تُقاس دائماً بما يملك، بل بما يمنحه للآخرين. وكان الشيء الجميل والمثير في الإنسان هناك، أنه كان يحار كيف يستقبل ضيفه، وكيف يكرمه بما تيسّر، حتى وإن كان ما في البيت قليلاً.
كيف يقف إلى جانب جاره؟
كيف يسأل عن الغائب؟
كيف يشارك الناس أفراحهم وأحزانهم؟
كيف يتحول البيت البسيط إلى مكان مفتوح للناس؟
وهذه الروح لا يمكن اختزالها في طبق أو كاس شاي.
لأن الضيافة في النهاية ليست طعاماً.
الضيافة موقف واصالة.
أن تقول للغريب: مرحباً.

أن تقول للمحتاج: اجلس حاجتك
وأن تقول لمن عاد بعد غياب طويل: الحمد لله على السلامة، الدار دارك.
وهنا أعتقد أن شيشاوة، مثل كثير من مناطق المغرب العميقة التي لازالت تحافظ على اصالتها وعراقتها، وما زالت تحتفظ بجزء من تلك الروح التي بدأ العالم الحديث، ينتزعها منا شيئاً فشيئاً.

قبيلة أولاد أبي السباع… حكاية أكبر من الاسم
وحين أتحدث عن شيشاوة، لا يمكنني أن أتجاوز أبناء أبي السباع.
فهؤلاء، ليسوا مجرد اسم قبلي في ذاكرة المنطقة.

التاريخ المتداول حولهم يربط وجودهم بالصحراء المغربية و الحوز و شيشاوة بفروع متعددة من ذرية أبي السباع، كما ارتبط حضورهم بمناطق بوجمادة وتغسريت، وبمدارس علمية، وشخصيات دينية وعلمية، كان لها حضور في المنطقة وبخارجها حتى بخارج الوطن.

وأنا لا أريد أن أدخل في تفاصيل الأنساب، ولا أن أحول هذا الحديث إلى درس في التاريخ.

يكفيني أن أقول إن أبناء أبي السباع حملوا معهم، عبر أجيال طويلة، شيئاً مهماً:
الذاكرة.
والإنسان الذي يحافظ على ذاكرته، لا يعيش في الحاضر وحسب.
إنه يعرف من أين جاء.
ويعرف أسماء أجداده. وتفاصيل تاريخه وجغرافيته
ويعرف قيمة الأرض التي عاش عليها وترعرع بها.

ويعرف أن القرية أو الدوار، ليس مجرد مكان للسكن، وإنما ذاكرة جماعية، فيها أسماء الرجال والنساء، وفيها المدارس، والمساجد، والمواسم، والحكايات، والأمثال، والقصائد.

ولعل من أجمل ما يمكن أن نحافظ عليه في زمن الهاتف والإنترنت و«الترند»، هو هذا النوع من الذاكرة التي لا توجد في محركات البحث.

عندما كان الكلام يُحفظ في الصدور
قبل أن تصبح كل معلومة متاحة بضغطة على الهاتف، كان الناس يحفظون تاريخهم بطريقة مختلفة.
كان الشيخ يحكي.
وكان الأب يروي.
وكان الجد يستعيد.
وكانت المرأة تحفظ حكايات الأسرة.

وكان الشعر والزجل، وسيلة لحفظ ونشر أشياء كثيرة.
وكانت المواسم والأسواق والأعراس مناسبات لاجتماع الناس، وتبادل الأخبار، وتثبيت الروابط الاجتماعية.
وقد عرفت شيشاوة بالفعل اهتماماً بالثقافة الشفوية والزجل، واحتضنت تظاهرات ثقافية، جعلت من هذا التراث جزءاً من هويتها الثقافية.
وهنا أقول:
نحن اليوم نملك ملايين الهواتف، لكننا نخسر كثيرا من الذاكرة.

لدينا آلاف الصور، لكننا أحياناً، لا نعرف أسماء الأشخاص الذين يظهرون فيها.

لدينا فيديوهات لا تنتهي، لكننا لا نعرف قصة المكان الذي صُوّرت فيه.

ولدينا «غوغل»، لكننا بدأنا ننسى سؤال الجد والجدة.
وهذه خسارة.
المدرسة العتيقة… حين كان العلم زاداً
ومن الأشياء التي تلفتني في تاريخ المنطقة ذلك الحضور العلمي.
ففي محيط شيشاوة، ارتبط أبناء أبي السباع بعدد من المدارس العلمية العتيقة، ومن بينها مدرسة أولاد عبد المولى، التي تذكر المصادر، أنها تأسست في القرن الثالث عشر الهجري، وظلت مرتبطة بالتعليم والعلوم الشرعية.
وهذا بالنسبة إليّ مهم جداً.
لأنني عندما أتحدث عن أبناء منطقة فقيرة، لا أريد أن أختزلهم في الفقر.
الفقر ليس هوية.
والبساطة ليست نقصاً بل قوة.
والمناطق القروية، لم تكن دائماً مناطق جهل وامية.
بل كان با علماء وفقهاء وطلبة وكتاتيب ومدارس عتيقة، وكان العلم جزءاً من الحياة اليومية.
وهذا درس يجب أن نتعلمه جيداً.
لا تقيس الإنسان بما في جيبه، قبل أن تعرف ما في عقله وقلبه.
شيشاوة التي تعرف كيف تفرح
والجميل في هذه المنطقة أن الناس، رغم قسوة الحياة، يعرفون كيف يفرحون.
الأعراس ليست مجرد حفلات.
والمواسم ليست مجرد تجمعات.
والسوق الأسبوعي، ليس فقط مكاناً للبيع والشراء.
إنها مناسبات للقاء.
لرؤية الأقارب وأحياء صلة الرحم.
للسؤال عن الغائب.
ولإعادة وصل ما قطعته الأيام.
وفي المنطقة حضور واضح للمواسم والاحتفالات ذات الطابع الديني والاجتماعي والثقافي، بما يجعلها فضاءات لاستمرار الروابط بين الناس.
وهذه نقطة أريد أن أتوقف عندها:

في زمن أصبح فيه الإنسان يعيش أحياناً وسط عشرات الأشخاص، لكنه لا يعرف جاره، كانت تلك التجمعات الشعبية تقوم بوظيفة اجتماعية عظيمة.
كان الناس يلتقون.
يتحدثون.
يتخاصمون أحياناً.
يتصالحون.
يضحكون.
يتذكرون موتاهم.
ويحتفلون بأحيائهم.
وهكذا كانت الجماعة أقوى من الفرد.
وأنا لا أحنّ إلى الماضي كله
لكن لا يفهمني أحد خطأ.
أنا لا أقول إن الماضي كان جنة.
لا.
كان فيه الفقر.
وكانت فيه صعوبة الحياة.
وكان فيه الحرمان.
وكان فيه ما فيه.
لكنني أحن إلى شيء واحد:
أحن إلى الإنسان الذي كان يسكن ذلك الماضي.
أحن إلى الجار الذي يطرق الباب دون موعد.
إلى الرجل الذي يرسل ابنه ليسأل عن مريض.
إلى المرأة التي تصنع ما تستطيع وتبعث منه لجارتها.

إلى صاحب الدار الذي يعتذر، لأنه لا يملك ما يكفي، ثم يضع أمامك كل ما لديه.
أحن إلى زمن كان فيه الإنسان يستطيع أن يقول:
«ما عنديش، ولكن مرحبا بك.»
وهذه الجملة وحدها تختصر فلسفة كاملة في الحياة.
شيشاوة أعطتني أكثر مما أخذت مني
حين أفكر الآن في حياتي، أجد أنني أخذت من شيشاوة أشياء كثيرة.
أخذت منها أول لغة.
أخذت منها أول خوف.
أخذت منها أول فرحة.
أخذت منها أول حلم.
أخذت منها أول درس في الحياة وفي الناس.

وأخذت منها أيضاً شيئاً، لا تقدمه مدرسة ولا جامعة:
معرفة قيمة الإنسان البسيط.
ولذلك، عندما اشتغلت بالصحافة والإدارة، وعندما التقيت بالمسؤولين والوزراء والعمال والمديرين والشخصيات المختلفة، لم أنسَ أبداً أنني جئت من بلدة صغيرة، تملك كل تلك الاشياء الجميلة.
وهذا في رأيي
كان أفضل شيء حصل لي.
لهذا أكتب «حديث الإثنين»
أكتب لأنني لا أريد أن تذهب الذاكرة مع أصحابها.
أكتب لأن هناك أشياء إذا لم نسجلها اليوم، فلن نجدها غداً.
أكتب لأنني أؤمن أن الصحافة، ليست فقط أن تخبر الناس بما وقع.
أحياناً الصحافة أن تقول للناس:
تذكروا ما كنتم عليه.
وأنا، بعد كل هذه السنوات، أشعر أن لدي واجباً صغيراً، تجاه المكان الذي أنجبني.
ليس واجب تمجيد.
ولا واجب تزويق.
ولا واجب إخفاء النقائص.
بل واجب الوفاء.
أن أقول الجميل حين يكون جميلاً.
وأن أنتقد حين يكون النقد ضرورياً.

وأن أحكي للأجيال الجديدة عن أناس عاشوا وماتوا، دون أن تلتقطهم الكاميرات.
عن آباء وأمهات لم تكن لهم صفحات على مواقع التواصل، لكنهم كانوا صفحات كاملة في ذاكرة ألقبيلة.
عن رجال كانوا فقراء، لكنهم لم يكونوا أبداً صغاراً.
إلى شيشاوة…
أعرف جيدا أن هذا الحديث سيصل إلى أبناء شيشاوة، لذلك، أقول لهم
إذا كانت شيشاوة اليوم، تحتاج إلى التنمية، وإلى فرص للشغل، وإلى الاستثمار، وإلى تحسين الخدمات، وإلى مزيد من الاهتمام بالشباب، فهذا لا يعني أن علينا أن نحتقر الماضي.
بل يعني أن نبني المستقبل فوق أساس يعرف قيمة الماضي والانسان.
وإلى أبناء أبي السباع…
أقول لكم شيئاً آخر:
أنتم لا تحملون فقط أسماء أجدادكم.
أنتم تحملون مسؤولية المحافظة على ذاكرتهم.
حافظوا على الحكاية.
حافظوا على المدرسة.
حافظوا على الموسم.
حافظوا على الشعر.
حافظوا على الزجل.
وسجلوا شهادات كبار السن.
فهؤلاء يحملون أرشيفاً، قد لا يوجد في إلى المكتبات جالسوهم.
اسألوه.
سجلوا كلامه وشهاداتهم.
دعوه يحكون.
فغداً، حين يرحل صاحب الحكاية، ستكتشفون أنكم فقدتم وثيقة لا تعوض.
وأنا واحد منكم
قد أكون عشت سنوات طويلة خارج البلدة.
وقد يكون عملي ومساري المهني أخذا مني الكثير.
وقد أصبحت سطات والشاوية عنواناً آخر في حياتي.
لكنني حين أسأل نفسي:
من أنا؟
أعود دائماً إلى البداية.
إلى شيشاوة.
إلى ذلك الطفل الذي لم يكن يعرف، أن الأيام ستأخذه بعيداً.
إلى ايمنتانوت الجميلة، ثم إلى مراكش الساحرة
إلى الرباط.
إلى الدار البيضاء.
إلى عالم الصحافة.
إلى الإدارة.
إلى سطات، تم إلى التفرغ إلى نفسي.
و إلى الكتابة من جديد.
وكأن الحياة، بعد كل هذه السنوات، أعادتني إلى النقطة الأولى:
القلم.
ولعل هذا هو السبب الحقيقي الذي يجعلني أكتب «حديث الإثنين».
لأن القلم الذي رافقني طوال العمر، يريد الآن أن يعود إلى المكان الذي بدأت منه الحكاية.
وفي الختام…
لا أريد أن أختم هذا الحديث بعبارة من نوع:
«كانت معكم سيرة فلان…»
لأنني قلت منذ البداية إنني لا أكتب سيرتي.
أنا أكتب جزءاً من ذاكرة مكان.
وشيشاوة بالنسبة إليّ ليست مجرد جغرافيا.
إنها ذاكرة.
وإذا كان أبناؤها بسطاء في كثير من الأحيان، فدعوني أقولها بكل اعتزاز:

البساطة لم تمنعهم يوماً من أن يكونوا كرماء بكل تواضع.

وقد تكون هذه هي الثروة الحقيقية التي لا تستطيع أي ميزانية أن تقيسها.

الثروة التي لا تظهر في الحسابات البنكية.

ولا في الإحصائيات.

ولا في تقارير المؤسسات.

إنها تظهر عندما يصل الغريب إلى باب بيتك، فتفتح له.

وتظهر عندما يجوع جارك، فتقتسم معه ما عندك.

وتظهر عندما يموت أحد أبناء الدوار، فتجد الناس جميعاً هناك.

وتظهر عندما ينجح ابن المنطقة، فتفرح به وكأنه ابنك.

وتظهر عندما يغيب أحدهم سنوات، ثم يعود، فيجد أن الذاكرة، ما زالت تحتفظ بمكانه.

هذه هي شيشاوة التي أعرف.

وهذه هي شيشاوة التي أحب.

وهؤلاء هم الناس الذين لا أستطيع، مهما طال بي العمر، أن أعتبر نفسي غريباً عنهم أو أن انساهم.

ولذلك، إذا كان «حديث الإثنين» سيصبح يوماً كتاباً، فأنا أتمنى أن يكون أول ما يسكن صفحاته ليس اسمي، ولا مساري، ولا الوظائف التي اشتغلت بها…
بل اسم المكان الذي بدأ منه كل شيء:
شيشاوة التي بداخلي
كل إثنين…
بحديث جديد.
والسلام على شيشاوة، وعلى أهل شيشاوة، وعلى كل أم وأب ورجل وامرأة وطفل وشاب وشيخ، صنعوا من البساطة، كرامة، ومن القلّة عطاءً، ومن الضيافة مدرسةً، ومن الذاكرة وطناً.
إلى اللقاء في حديث إثنين آخر، إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.