الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الرأي

حديث الإثنين: عبدة.. حين تجرح «الكبدة» المعنى قبل أن تجرحها السكين

يكتبه كل إثنين: عبد الله الشخص

هناك عبارات لا تحتاج إلى قاموس حتى يفهمها أهلها، ولا إلى مؤرخ حتى يدركوا مكانتها في الذاكرة. تولد في البادية، وتتنقل من فم إلى فم، ومن جيل إلى جيل، ثم تستقر في الوجدان الشعبي حتى تصبح جزءاً من هوية المكان.

ومن بين هذه العبارات التي ظلت تتردد في الذاكرة المغربية، وخصوصاً في منطقة عبدة، تلك المقولة الشعبية التي تقول:

«عبدة جراحين الكبدة، عمر خيلهم ما تهدا، وعمر ضيفهم ما يمشي جيعان.»

مقولة تحمل أكثر من معنى في كلمات قليلة؛ فهي تجمع بين صورة الفارس الذي لا يهدأ، والكرم الذي لا يترك الضيف يغادر جائعاً، وبين نعت «جراحين الكبدة» الذي يبدو، للوهلة الأولى، غريباً على أذن من لم يتربَّ على قاموس البادية وأمثالها وأشعارها.

لكن الغريب أن العبارة، مع مرور الزمن، تعرضت لما يشبه عملية «تجميل لغوي» لم تكن بالضرورة بريئة من أثرها على المعنى.

فصار البعض يقول:

«عبدة، مشرحين الكبدة، عمر شرهم ما يهدا، وعمر ضيفهم ما يمشي شبعان.»

وهنا لا نتحدث عن مجرد تغيير كلمة بكلمة، أو عن اختلاف بسيط في النطق. فالفرق بين «جراحين» و«مشرحين»، وبين «خيلهم ما تهدا» و«شرهم ما يهدا»، قد يبدو صغيراً في اللفظ، لكنه يكاد يكون، في الدلالة والصورة التي يرسمها، كالفرق بين الأرض والسماء.

الأولى تحمل رائحة الفروسية والخيول والبادية والكرم، بينما الثانية تدفع العبارة نحو صورة أخرى تماماً، وكأنها تنقلها من فضاء البطولة والشعر الشعبي إلى فضاء اتهامي لا علاقة له بالضرورة بالسياق الذي ولدت فيه.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

هل «جراحين الكبدة» وصف قديم لعبدة؟

في مثل هذه المسائل، لا يصح أن نتعامل مع الذاكرة الشعبية باعتبارها وثيقة تاريخية مكتملة، كما لا يصح أن نحسم أصل عبارة عمرها عشرات، وربما مئات السنين، اعتماداً على تفسير لغوي متأخر.

لكن البحث في المادة الشفهية المتداولة يقود إلى شاهد مهم جداً.

ففي مقاطع من قصيدة «الهايجة» المنسوبة إلى عبيدات الرمى، أولاد لمّوني، والتي نُقلت عن الباحث إدريس بلعطار، نجد العبارة صريحة:

«راه حنا عبدة جراحين لكبدة»

وهذا الشاهد مهم لأنه لا يأتي من منشور حديث يحاول تفسير العبارة، وإنما يظهر داخل نص شعبي ينتمي إلى البيئة البدوية والقبلية نفسها.

والأهم أن سياق القصيدة لا يقف عند هذين السطرين، بل يستحضر عالماً كاملاً من مفردات القوة والفروسية والبادية والقبيلة، ويتحدث عن عبدة وأحمر والهجالات والزحافات وغيرها من الصور التي تنتمي إلى ذلك المخيال الشعبي.

وهنا يصبح من الصعب التعامل مع «جراحين الكبدة» باعتبارها مجرد تحريف حديث أو اختراع لغوي طارئ.

بل إن الشاهد، على الأقل، يؤكد أن صيغة «جراحين لكبدة» كانت حاضرة في الموروث الشفهي المرتبط بعبدة.

لكن ماذا كانت تعني بالضبط؟

وهنا ينبغي أن نكون أكثر حذراً.

فوجود العبارة في الشعر الشعبي لا يعني أننا امتلكنا مفتاح معناها التاريخي النهائي.

هل كانت «جراحين الكبدة» وصفاً للفروسية والشجاعة؟ هل ارتبطت بحكايات عن الغارات والخصومات القبلية؟ هل كانت صورة شعرية تختزل القتال وإصابة الخصم؟ أم أن وراءها قصة أو أكثر ضاعت تفاصيلها وبقي منها النعت؟

كل هذه الاحتمالات ممكنة، لكن لا يمكن تحويل أي واحد منها إلى حقيقة تاريخية ثابتة من دون وثيقة أو رواية موثقة ومتقاطعة.

أما القول إن «جراحين الكبدة» تعني ببساطة أن أهل عبدة «يجرحون القلوب» من شدة العاطفة أو الحب، فهو تفسير لغوي وشعري جميل، وقد يصلح كتأويل أدبي، لكنه لا يكفي وحده لتحديد أصل العبارة.

وهنا بالضبط يجب أن نفرق بين تفسير العبارة وتاريخ العبارة.

الأول يمكن أن يكون اجتهاداً لغوياً.

أما الثاني فيحتاج إلى قرائن ووثائق وشهادات متقاطعة.

من «جراحين» إلى «مشرحين»… ماذا حدث؟

المشكلة ليست في أن الناس يغيرون العبارات الشعبية مع الزمن؛ فهذا أمر طبيعي في كل اللغات واللهجات.

المشكلة تبدأ عندما يصبح التغيير تفسيراً، ثم يتحول التفسير إلى «حقيقة»، ثم تبدأ الأجيال الجديدة في ترديد الحقيقة الجديدة وكأنها هي الأصل.

وهكذا يمكن لعبارة شعبية أن تتغير كلمة واحدة فيها، فتتغير معها صورتها كاملة.

«جراحين الكبدة» ليست بالضرورة هي نفسها «مشرحين الكبدة».

الأولى مرتبطة بالفعل «جرح»، والثانية مرتبطة بالفعل «شرح»، ولكل فعل حمولة لغوية وصورة ذهنية مختلفة.

ثم إن إضافة «عمر شرهم ما يهدا» تقلب المعنى أكثر، لأنها تنقل الحديث من صورة الخيل والفروسية إلى صورة «الشر» المتواصل.

حديث الإثنين: عبدة.. حين تجرح «الكبدة» المعنى قبل أن تجرحها السكين

وهنا يبدو السؤال مشروعاً:

كيف تحولت عبارة تمدح أو تصف جماعة في سياق شعبي إلى عبارة يمكن أن تُفهم باعتبارها قدحاً فيها؟

هل هو مجرد تطور طبيعي في الكلام؟ أم أن هناك روايات محلية مختلفة للعبارة؟ أم أن بعض الأجيال لم تعد تعرف أصلها، فأعادت تركيبها وفق ما فهمته من الكلمات؟

لا نملك، إلى الآن، جواباً نهائياً.

الشفهي لا يموت… لكنه يتغير

هذه واحدة من أجمل وأصعب مشكلات التراث الشعبي.

فالأغنية الشعبية لا تأتي إلينا دائماً في كتاب، والمثل لا يترك وراءه تاريخاً مكتوباً، والعيطة لا تخبرنا دائماً من قال أول بيت فيها ومتى قيل ولماذا.

إنها تعيش في الذاكرة.

والذاكرة الشعبية، مثل الإنسان، تتذكر وتنسى، تضيف وتحذف، وتعيد تركيب الأشياء وفق الزمن.

ولهذا فإن البحث في مثل هذه العبارات يحتاج إلى الإصغاء إلى كبار السن، وإلى شعراء العيطة وعبيدات الرمى، وإلى رواة التراث، وإلى الباحثين في الثقافة الشعبية، ومقارنة الروايات المختلفة قبل إطلاق الأحكام.

وربما كان من المفيد، في حالة «عبدة جراحين الكبدة»، جمع مختلف الروايات الشفهية حول العبارة، وتوثيقها بالصوت والصورة، والعودة إلى دواوين الشعر الشعبي ومجموعات العيطة وما كتبه الباحثون في التراث الشفهي لمنطقة عبدة.

فقد تكون الحكاية أقدم بكثير مما نتصور.

عبدة بين «الكبدة» والذاكرة

المثير في هذه العبارة أنها تختصر جانباً من شخصية منطقة عبدة كما حفظتها الذاكرة الشعبية: الخيل، والفروسية، والعيطة، والقبيلة، والضيف، والكرم، والحكاية.

ولهذا فإن اختزالها في كلمة واحدة، أو تفسيرها بعيداً عن سياقها، قد يكون ظلماً للموروث نفسه.

وربما يكون أجمل ما يمكن فعله اليوم هو أن نعيد العبارة إلى فضائها الطبيعي، لا لكي نحاكم من يقول «مشرحين» أو من يقول «جراحين»، وإنما لكي نسأل سؤالاً أبسط وأعمق:

ماذا كان يريد أجدادنا أن يقولوا عندما وصفوا عبدة بأنهم «جراحين لكبدة»؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق البحث.

أما الجواب، فلا ينبغي أن نصنعه من خيالنا ثم نقدمه للأجيال باعتباره حقيقة.

فالتراث الشعبي ليس ملكاً لمن يملك أعلى صوت، وإنما هو ملك للذاكرة الجماعية، وكلما كان أصل العبارة غامضاً، كان واجبنا أن نقول: هذا ما وجدناه، وهذا ما نرجحه، وهذا ما لا نعرفه بعد.

وربما هنا تكمن قيمة «حديث الإثنين»: أن نفتش في الكلمات التي نرددها كل يوم، لا لنغيرها، وإنما لنكتشف ما تخبئه وراءها من تاريخ.

فقد تكون كلمة واحدة، مثل «جراحين»، قادرة على فتح باب واسع نحو عبدة القديمة؛ عبدة الخيل والعيطة والفرسان والضيوف والحكايات التي لم تصلنا كلها.

وإذا كانت الكبدة هي التي جُرحت في العبارة، فإن الزمن هو الذي ترك الجرح الأكبر في ذاكرتنا… حين ترك لنا الكلمات واحتفظ لنفسه بالحكاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.