حديقة ساحة الأمير مولاي الحسن بالمحمدية… حين كان “الصحراوي” وحده أقوى من جحافل العبث

ضربة قلم
في زمن ليس ببعيد، كانت حديقة الأمير مولاي الحسن المقابلة لمقر عمالة المحمدية، تُشبه بطاقة بريدية أنيقة، لمدينة كانت تحاول أن تحافظ على ما تبقى من ذوقها وجمالها. كانت الأسر تمر، والعشاق يجلسون في هدوء، والمتقاعدون يتبادلون أحاديث السياسة والغلاء و”أيام زمان”، فيما الأطفال يركضون بين المساحات الخضراء، دون خوف من مشهد كرسي مكسور أو خشب منزوع أو حديقة، تحولت إلى ضحية جديدة من ضحايا “رياضة التخريب الوطني”.
لكن الفرق الكبير بين الأمس واليوم، أن تلك الحديقة كان لها حارس غير عادي… رجل واحد فقط، بسيط في مظهره، عظيم في حضوره، معروف لدى الجميع باسم “الصحراوي”، رحمه الله.
ذلك الرجل لم يكن يحمل صفة رسمية كبيرة، ولم يكن يملك أسطول مراقبة ولا كاميرات ذكية ولا ميزانيات بالملايين، فقط دراجة هوائية وقناعة راسخة بأن الحديقة، ليست ملكًا لأحد، بل ملك للناس جميعًا. كان يجوب الممرات بعينيه الحادتين، يراقب كل صغيرة وكبيرة، وينبه الناس بلطف أحيانًا، وبصرامة أحيانًا أخرى إلى ضرورة احترام جمالية المكان.
وكان المشهد مألوفًا لدى أبناء المحمدية:
“أشمن جلوس فوق العشب هذا؟ راه الحديقة ماشي ديالك!”
جملة بسيطة، لكنها كانت كافية ليقف “أصحاب التخربيق” عند حدهم.
الصحراوي، رحمه الله، كان يفهم شيئًا يبدو أن كثيرين اليوم لا يفهمونه:
أن الحديقة ليست مجرد أشجار وكراسٍ وممرات… بل هي ذاكرة مدينة كاملة، وصورتها أمام أبنائها وزوارها.
اليوم، وبعد رحيل ذلك الرجل، بدأت أيادي العبث تشتغل بنشاط عجيب، وكأن بعض الناس يدخلون في منافسة سرية حول: “من يستطيع تدمير الممتلكات العمومية أسرع؟”.
الكراسي تُكسر، الأخشاب تُنزع، المساحات الخضراء تُهان، والأوساخ تُرمى بلا أدنى شعور بالمسؤولية، وكأننا أمام حديقة مهجورة في مدينة بلا سكان، لا أمام فضاء يعتبر من أجمل ما تملكه المحمدية.
والأغرب من كل هذا، أن المجلس الجماعي – إن كان لنا أصلًا مجلس يتذكر أن تدبير المدينة، لا يقتصر على صور التدشينات وابتسامات المواسم الانتخابية – يبدو منشغلًا بأمور أخرى أكثر “استراتيجية”، ربما من قبيل حساب الأصوات المقبلة، أو دراسة فن الظهور في المناسبات، أو التخطيط لكيفية تحويل أبسط إصلاح إلى إنجاز تاريخي يستحق التصفيق.
لقد تم استقدام شخصين بعد “الصحراوي” من أجل الحراسة، لكن للأسف، لم ينجحا في الحفاظ على الكراسي ولا على النظام العام للحديقة، فانصرفا، وبقيت الحديقة تواجه مصيرها وحدها أمام زحف التخريب والإهمال.
والمؤلم في الأمر، أن إصلاح الكراسي ليس مشروعًا نوويًا، ولا يحتاج إلى قروض دولية ولا إلى قمم مناخية. الأمر يتعلق فقط بإرادة حقيقية لاحترام المدينة.
نعم، نهيب بالمجلس الجماعي أن يتحرك لإصلاح الكراسي المتضررة بشكل عاجل، لكن الأهم من الإصلاح هو فرض حراسة فعلية وصارمة داخل هذه الحديقة، لأن تركها دون مراقبة يعني ببساطة إعطاء الضوء الأخضر، لكل من يعتبر التخريب نوعًا من الترفيه اليومي.
حديقة المدن المتوأمة، ليست مجرد قطعة أرض خضراء، بل إرث طبيعي وجمالي ونفسي لسكان المحمدية. والمدينة التي تعجز عن حماية كرسي في حديقة، كيف لها أن تحمي ذاكرة مدينة كاملة؟
ثم إن المواطنين أيضًا مطالبون بقول كلمة واضحة:
السكوت عن التخريب هو مشاركة غير مباشرة فيه.
لأن الذي يكسر الكرسي اليوم، سيكسر غدًا مصباحًا، ثم يشوه جدارًا، ثم يحتل رصيفًا، ثم يتحول العبث إلى أسلوب حياة جماعي.
المحمدية لا تحتاج فقط إلى مشاريع جديدة، بل تحتاج أولًا إلى حماية ما تبقى فيها من أشياء جميلة، لم تُهزم بعد.
وربما، في عز هذا العبث، يحق للكثيرين أن يترحموا على “الصحراوي”، الرجل الذي كان بدراجته البسيطة، أكثر حضورًا وفعالية من مؤسسات كاملة.




