حراس بلا رخص.. وسترات بلا قانون: حين تتحول الأرصفة إلى صناديق جباية عشوائية!

ضربة قلم
رغم أن البلاغات الرسمية تُدوّي ليل نهار بأن مواقف السيارات مجانية وغير مكترية، وأن الجماعات الترابية لا تأخذ درهماً واحداً من المواطنين نظير ركن سياراتهم، إلا أن الواقع شيء آخر تمامًا… واقعٌ يُدوّي فيه صافرة “الحارس الذاتي”، لا صفارة الشرطة الجماعية. لا يهم إن كنت ستقف دقيقة أو تنام ليلة، ولا يهم إن كانت سيارتك مهترئة أم فاخرة، ما دمت على تراب هذه المملكة، فإن هناك من يرتدي سترة ـ أو كان يرتديها ـ سيأتيك مهرولاً وهو يتأبط دفترًا وهميًا وثقة زائدة في النفس.
المثير في الأمر أن بعض هؤلاء “الحماة المزيفين” تخلوا عن ستراتهم الصفراء كنوع من التمويه أو التجديد في العرض، بل إن أحدهم، في لحظة تجلٍّ وجودي، وقف أمام سيارة مواطن وأعلن بكل ثقة: “أنا ماشي حارس… ولكن راه خاصك تخلص!”
وحين تسأله: “تخلص على شنو؟”، يردّ بمنطق أرسطو المقلوب: “على الوقوف الحرّ!”
منتهى العبث.
هؤلاء، لا رخص لديهم، ولا هم محسوبون على أي شركة، ولا تربطهم بالجماعة الترابية سوى علاقة الجغرافيا، ومع ذلك يُصرّون على تحويل كل رصيف إلى ضريبة متنكرة. عند أبواب الأسواق الكبرى، تنزل من سيارتك لشراء علبة سردين، فتعود لتجد أن أحدهم قد ألصق بك نظرة ملغومة كأنه يقول: “راه شفناك، وخا ما بغيتش تخلص”.
أمام الشواطئ، نفس السيناريو يتكرر: شاب بقبعة مائلة ووجه محترق بالشمس، يُقابلك بابتسامة غير مطمئنة، ويقول لك: “ما تنساش أخويا، راه الصيف سخون هاد العام.”
طبعًا، هو لا يقصد حرارة الجوّ، بل حرارة التسعيرة العشوائية التي يمكن أن تصل إلى ثمن بيتزا أربع فصول.
والأدهى من هذا كله، أن بعض المواطنين صاروا متواطئين ضمنيًا مع هذا النظام الموازي، يدفعون وهم متذمرون، ثم يعودون لبيوتهم ليشتموا “الحكرة” في جلسات الشاي. أما من يجرؤ على الاحتجاج أو السؤال عن الترخيص، فغالبًا ما يُنعت بأنه “باغي يدير فيها فهّيم” أو “ما كيبغيش يخلّي البركة للدراري”.
هكذا، تتجول الجماعات الترابية ببياناتها المنمقة، بينما تتجول السترات ـ والسترات المتخفية ـ بسلطتها غير المعلنة. فلا تعرف من يفرض النظام، ولا من يُفترض به أن يفرضه، ويبقى المواطن، كما العادة، الحلقة الأضعف التي تدفع الفاتورة… نقدًا، وبلا وصل.




