
ضربة قلم
يبدو أن الانتخابات التشريعية المقبلة، قررت أن توسّع كثيراً من مفهوم “الكفاءات”.
فلم يعد ضرورياً، أن تكون سياسياً مخضرماً، ولا منتخباً قديماً، ولا صاحب تجربة طويلة، في تدبير الشأن العام…
يكفي أن تكون لديك عضلات مفتولة، وربطة عنق، وتجربة في الحراسة، ونشاط حقوقي، وربما خبرة طويلة في العمل الليلي!
نعم، كما تظهر الصورة الانتخابية، نحن أمام مرشح يعمل حارسا في ملهى ليلي، وناشط في مجال حقوق الإنسان، يستعد لخوض الانتخابات التشريعية.
وهنا لا بد من الاعتراف، بأن السياسة المغربية، بدأت تدخل مرحلة جديدة من التنوع المهني:
واحد جاي من الجماعة…
واحد جاي من النقابة…
واحد من عالم المال والأعمال…
واحد من المجتمع المدني…
والآن وصلنا إلى حارس الملهى الليلي!
ولم لا؟
فالبرلمان في نهاية المطاف، مؤسسة مفتوحة أمام المواطنين، وليس نادياً مغلقاً لأصحاب المهن التقليدية.
لكن بما أن المرشح، اختار أن يقدم نفسه للناخبين بهذه الصفة، فمن حقنا أن نسأل، بسخرية طبعاً:
هل سينتقل من حراسة أبواب الملاهي إلى حراسة أبواب البرلمان؟
وهل ستكون لديه القدرة على التمييز بين المواطن الذي يريد الدخول إلى مؤسسة عمومية، والمواطن الذي يريد الدخول إلى ملهى؟
“البطاقة البرلمانية من فضلك… والهواتف ممنوع التصوير بها!”
طبعاً، لا نريد أن نظلم الرجل.
فالعمل حارساً ليس عيباً، والعمل الليلي ليس عيباً، وامتلاك بنية جسدية قوية، ليس جريمة، والنشاط الحقوقي في حد ذاته، يمكن أن يكون مدخلاً مشروعاً للعمل العام.
بل بالعكس، ربما تكون لديه تجربة مباشرة، مع فئات مختلفة من المجتمع، وربما اكتسب من عمله مهارات في التواصل، وضبط النفس، والتعامل مع المواقف الصعبة.
لكن المشكلة ليست هنا.
المشكلة هي ماذا سيقدم للناخب عندما تنتهي الحملة؟
لأن البرلمان، لا يحتاج إلى عضلات مفتولة، بقدر ما يحتاج إلى أفكار قوية.
ولا يحتاج إلى شخص، يعرف كيف يقف على الباب، بل إلى شخص يعرف كيف يدافع عن مصالح الناس من داخل المؤسسة.
ولا يحتاج المواطن إلى من يحرسه، وإنما إلى من يدافع عن حقوقه.
وهنا تصبح الصفة الحقوقية، أكثر أهمية من العضلات.
فإذا كان ناشطاً حقوقياً بالفعل، فالناخب من حقه أن يسأله:
أين كانت مواقفه؟
ما القضايا التي دافع عنها؟
ماذا يقترح؟
ما رؤيته للتشغيل؟
ماذا سيقول عن الصحة والتعليم؟
ماذا سيقدم للشباب؟
كيف سيتعامل مع مشاكل دائرته؟
وكيف سيتصرف، عندما يصبح بين يديه مقعد برلماني، لا مجرد صفة مهنية لحراسة ملهى؟
لأن أخطر شيء في الانتخابات، ليس أن يأتي شخص من مهنة غير مألوفة.
الأخطر أن يأتي أي شخص إلى البرلمان دون مشروع واضح.
وبالمناسبة، العمل الليلي ليس المشكلة.
المغرب كله تقريباً يعرف أن هناك آلاف المواطنين، الذين يشتغلون ليلاً: أطباء، ممرضون، حراس، صحافيون، عمال، سائقون، رجال أمن، وأصحاب مهن مختلفة.
لكن، عندما يتحول صاحب هذه المهنة إلى مرشح سياسي، تنتقل المسألة من سؤال: ماذا كنت تعمل؟ إلى سؤال أهم بكثير:
ماذا ستفعل إذا نجحت؟
وهنا ربما تكون المفارقة الجميلة في هذه الانتخابات:
الرجل الذي كان يقف أمام باب ملهى ليلي، يراقب الداخل والخارج، قد يجد نفسه غداً واقفاً أمام باب آخر…
باب البرلمان.
لكن الفرق أن باب الملهى له حارس، بينما البرلمان يحتاج إلى نائب يحرس مصالح المواطنين بالقانون والمساءلة والرقابة والتشريع.
والعضلات؟
مزيانة.
والبدلة؟
مزيانة.
والابتسامة؟
مزيانة.
والنشاط الحقوقي؟
أحسن.
لكن، كل هذا لا يعفي المرشح من السؤال الذي سيطارده، من أول يوم في الحملة إلى آخر يوم في الولاية:
“آش غادي دير لينا من بعد ما تربح؟”
لأن المواطن المغربي، لم يعد ينبهر بسهولة بالصور الانتخابية.
وقد يقول للمرشح، بكل احترام:
“خويا، ماشي مهم شحال عندك فالعضلات… ورّينا شحال عندك فالأفكار!”
وفي النهاية، ربما تكون هذه هي أجمل مفارقة:
من كان يحرس باب الملهى ليلاً، يريد اليوم أن يدخل من باب السياسة نهاراً.
أما المواطن، فسيبقى واقفاً أمام صندوق الاقتراع، لا ليطلب منه الدخول…
بل ليقرر بنفسه:
من يستحق أن يدخل البرلمان، ومن الأفضل أن يبقى خارج الباب!




