الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

رياضةمجتمع

حفيظ دراجي: حين يخلع المعلّق الرياضي قميص القواعد، ويرتدي عباءة التأويل الحاقد

ضربة قلم

في زمن فقد فيه الوصف الرياضي كثيرًا من براءته، لم يعد المعلّق مجرد ناقل للحدث ولا شارحٍ للقانون، بل صار -عند البعض- فاعلًا في صناعة السرديات، وتغذية الإحساس بالغبن، واستثمار اللحظة العاطفية، لجمهور جاهز للتصديق. وهنا تحديدًا يبدأ الخلل.

آخر فصول هذا الانزلاق، ما فجّره المعلق الرياضي لا أكثر، حفيظ دراجي، العامل بإحدى القنوات الخليجية، حين خرج بتدوينة يتحدث فيها عن «ظلم» تعرّضت له الجزائر على مستوى برمجة الأدوار الإقصائية لإحدى البطولات القارية. تدوينة لم تُبنَ على نص قانوني، ولا على قراءة دقيقة لنظام المسابقة، بل على تأويل شخصي قُدِّم وكأنه حقيقة مطلقة.

المشكل ليس في الاختلاف، ولا في الدفاع عن منتخب أو بلد، فذلك مفهوم. المشكل حين يتم القفز على القوانين، وتجاهل لوائح منشورة ومعلنة، واستبدالها بخطاب عاطفي يلمّح إلى التلاعب، والاستهداف دون دليل. هنا لا نكون أمام تحليل، بل أمام تهييج مقنّع.

قوانين نظام الست مجموعات واضحة حدّ الملل:

  • أربعة متصدرين يواجهون أفضل الثوالث.

  • متصدرا المجموعتين الخامسة والسادسة يلتقيان وصيفيهما.

لا اجتهاد هنا، ولا مؤامرة، ولا “طبخة” في الكواليس. هذا النظام طُبّق سابقًا، ويُطبّق اليوم، وسيُطبّق غدًا، حين تصادف نتائجه هذا المنتخب أو ذاك.

والذاكرة القريبة لا ترحم. في كأس أمم إفريقيا الأخيرة بكوت ديفوار، تصدر المنتخب المغربي المجموعة السادسة، واصطدم بوصيف المجموعة الخامسة في دور ثمن النهائي. يومها لم نسمع صراخًا، ولا تدوينات نارية، ولا حديثًا عن ظلم. لماذا؟ لأن القاعدة كانت واضحة، ولأن القراءة كانت عقلانية.

الخطير في خطاب من هذا النوع أنه يصدر عن واصف رياضي، أي عن شخص يفترض فيه أن يكون آخر من يخلط القانون بالانطباع، وآخر من يبيع الوهم لجمهوره. فالواصف ليس مشجعًا في مقهى، بل صاحب منصة، وكل كلمة منه تصنع وعيًا أو تدمّره.

وهنا يظهر التناقض الصارخ داخل المشهد الإعلامي الرياضي نفسه. في الجهة المقابلة، يبرز الصحفي الرياضي المغربي الكفء بقناة beIN Sports، أمين السبتي، كنموذج معاكس تمامًا. لا ضجيج، لا استعراض، لا تلميح. فقط نص قانوني، قراءة باردة، وتشطيب مهني هادئ يُسقط الخطاب المتشنج قطعة قطعة. لا يصرخ، لكنه يُحرج. لا يتهم، لكنه يُفكك. وهذا هو الفارق بين الصحافة والتحريض، وبين التحليل والتهريج.

المفارقة أن كل المجالات باتت اليوم صالحة للصيد في المياه العكرة: السياسة، الاقتصاد، الثقافة… وحتى الرياضة. لكن حين يتعلق الأمر بالمغرب، تتعطل فجأة أدوات “التقلاز من تحت الجلباب”، لأن الوقائع لا تُطاوع الخطاب، ولأن القوانين لا تُسعف رواية المظلومية الجاهزة.

الرياضة لا تحتاج مزيدًا من الضجيج، بل تحتاج احترامًا لعقل المتلقي. تحتاج واصفين يشرحون لا يحرّضون، ويُنوّرون لا يُهيّجون. أما تحويل كل قراءة تقنية إلى قضية، وكل تطبيق قانوني إلى مؤامرة، فذلك ليس دفاعًا عن كرة القدم… بل إساءة لها.

ويبقى السؤال الجوهري:
هل نريد وصفًا رياضيًا يشرح اللعبة، أم خطابًا يستهلك العاطفة ويهرب من القانون؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.