حقوق الإنسان تحت الجرافات: حين تُزيَّن الواجهة… ويُلقى المواطن إلى العراء

ضربة قلم
في مشهد يختزل كثيرًا من التناقضات المؤلمة، يجد بعض المواطنين المغاربة أنفسهم فجأة في مواجهة العراء، بعدما تتحول قرارات الهدم أو الإفراغ أو “تهيئة الواجهة” إلى كابوس اجتماعي يقتلع الإنسان من جذوره، دون تمكينه أحيانًا من ضمانات تحفظ كرامته أو بدائل تصون آدميته.
فبين منطق التهيئة العمرانية، وتجميل المدن، وتحسين المشهد الحضري، يبرز سؤال حقوقي حارق: هل يجوز أن يتحول الإنسان البسيط إلى مجرد رقم ثانوي في معادلة الإسمنت والواجهة؟
إن الحق في السكن ليس امتيازًا عابرًا، بل هو جزء أصيل من الكرامة الإنسانية، كما تؤكد ذلك المواثيق الحقوقية والدستورية، لأن الوطن الحقيقي، لا يُقاس فقط بجمالية الأرصفة والواجهات، بل أيضًا بمدى صون كرامة مواطنيه، خصوصًا حين يكونون في وضعية هشاشة اجتماعية أو اقتصادية.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز الدور الحقوقي البارز الذي تقوم به الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إلى جانب مختلف الأصوات الحقوقية الجادة، حيث تواصل هذه الجمعية بذل مجهود حقوقي كبير في الدفاع عن المواطنين المتضررين، من خلال الترافع، والرصد، ومواكبة الملفات الاجتماعية، وفضح كل الممارسات، التي قد تمس حق الإنسان في السكن والكرامة والاستقرار. فحضور الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في مثل هذه القضايا، لا يمثل مجرد موقف تضامني، بل يجسد معركة مستمرة من أجل أن تبقى حقوق الإنسان، فوق منطق التجميل الشكلي أو التدبير الذي قد يتجاهل البعد الإنساني.
ولأن القضايا العادلة لا تسكن فقط مكاتب التقارير والبلاغات، بل تنبض أيضًا في وجدان الشارع، فقد جسّد الجمهور الرجاوي، مساء أمس من مدرجات “دونور” عقب المباراة التي جمعت الرجاء الرياضي بالفتح الرباطي، صورة أخرى من صور التضامن الشعبي، حين عبّر بطريقته الخاصة عن مساندته لهذه العائلات التي وجدت نفسها في مواجهة العراء. لقد تحولت المدرجات، في لحظة لافتة، من فضاء رياضي إلى منصة إنسانية، ارتفع فيها صوت الكرامة الاجتماعية إلى جانب الهتاف الكروي، في رسالة تؤكد أن الرجاء بالنسبة لجمهورها، ليست فقط ناديًا، بل أيضًا انتماء لقضايا الناس وهمومهم.
إن هذا التفاعل الجماهيري، يعكس أن الدفاع عن الإنسان، لا يقتصر على المؤسسات الحقوقية وحدها، بل قد يجد صداه أيضًا في مدرجات الكرة، حين يرفض الجمهور أن تمر مآسي البسطاء بصمت. وهنا تحديدًا، يلتقي صوت المدرج مع صوت الجمعية الحقوقية، ليشكلا معًا نداءً واضحًا: التنمية لا ينبغي أن تكون على حساب الإنسان.
إن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحول إلى مبرر لتشريد الأسر أو دفعها نحو العراء، لأن المدن لا تُقاس فقط بواجهاتها المصقولة، بل أيضًا بمدى احترامها للإنسان الذي يعيش فيها. فحين يُصبح المواطن البسيط مهددًا بفقدان سقفه، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل نبني مدنًا للعيش الكريم… أم واجهات للاستهلاك البصري؟
إن حماية صورة الوطن، لا تكون فقط بطلاء الجدران، بل بصون كرامة الإنسان أولًا، لأن الأوطان التي تحترم نفسها لا ترمي أبناءها إلى العراء باسم التهيئة، ولا تجعل من الحقوق الاجتماعية، ثمنًا لتزيين الواجهة.
فحين تُرفع الجرافات باسم الإصلاح، ويعلو صوت الجماهير من المدرجات دفاعًا عن الكرامة، يبقى السؤال الحقوقي قائمًا: من يحمي المواطن؟
وهنا تحديدًا، تظل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، ومعها كل الضمائر الحية داخل المجتمع، من الحقوقيين إلى الجماهير الشعبية الواعية، جزءًا أساسيًا من معركة الدفاع عن حق الإنسان المغربي، في أن يعيش بكرامة… لا أن يُترك لمواجهة العراء.




