
ضربة قلم
قديماً، كان المغرب أشبه بـ”البستان الأجمل” الذي يمدّ أوروبا بالطماطم الطازجة، خصوصاً فرنسا وأسواق الشمال، حيث اشتهرت حباته بصفاء اللون وغنى المذاق. لم تكن المنافسة حادة كما اليوم، فالمزارع المغربي كان يلمع بجودته ووفرة إنتاجه، حتى صارت الطماطم المغربية عنواناً في المتاجر الكبرى، تطلبها كما يطلب العاشق قصيدة يعرف وقعها مسبقاً.
لكن ربع قرن كان كافياً لقلب الموازين. فإسبانيا، التي كانت تصدّر الطماطم منذ القرن الماضي، سرّعت إيقاعها، مستثمرة في البيوت البلاستيكية الحديثة وفي سياسات دعم زراعي أوروبية منحازة. ومع توسع حقول ألميريا ومورسيا، لم تكتف بالأنواع الكلاسيكية، بل أغرقت السوق بأصناف جديدة: المستديرة العملاقة، الطويلة اللامعة، والطماطم المخصّصة للسلطات والعصائر.
الصدمة الأكبر كانت في اليد العاملة: آلاف المغاربة وجدوا أنفسهم في حقول إسبانيا، يزرعون ويجنون الطماطم نفسها التي كان يمكن أن تُنتج في سوس والغرب، لكن تحت راية أوروبية هذه المرة. وهكذا ضُرب عصفوران بحجر واحد: تشغيل يد عاملة رخيصة، وخلق منتوج قادر على منافسة المغربي في قلب السوق الأوروبية.
اليوم، لم يعد السؤال: من يزرع أفضل طماطم؟ بل من يعرف كيف يوظف السياسة والاقتصاد لتسويقها. فبينما يظل المغرب وفياً لطماطمه ذات النكهة المميزة، تمضي إسبانيا مدعومة بلوبيات قوية وشبكات توزيع عابرة للحدود، لتفرض وجودها على رفوف المتاجر.
إنها قصة عن احتكار لم يكتمل، ومنافسة خرجت من رحم الأرض لتُدار في دهاليز الدبلوماسية والسياسة التجارية. ومع ذلك، تبقى الطماطم المغربية رمزاً للصمود، بنكهتها التي لا تشبه غيرها، تذكّر بأن الشمس التي تشرق على سهول سوس ما تزال قادرة على أن تمنح للعالم طماطم لا تُضاهى.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يستعيد المغرب مكانته الأولى كمصدر مهيمن، أم سيظل منافساً بين آخرين في سباق تحكمه المصالح أكثر مما تحكمه جودة الحقول؟




