حكم قلب الموازين في ملف الجديدة.. براءات وإدانات وتقادم.. والتومي ينتظر ساعة الحقيقة

ضربة قلم
يشكل الحكم الصادر عن غرفة الجنايات الاستئنافية المختصة بجرائم الأموال، في الملف المرتبط بتدبير الشأن المحلي بمدينة الجديدة، محطة قضائية مهمة، ليس فقط بالنظر إلى عدد المتابعين الذين شملتهم القضية، ولكن أيضا لما يحمله من دلالات قانونية وسياسية وإدارية، تتجاوز الأشخاص المعنيين لتلامس قضية الحكامة المحلية وتدبير المال العام.
وأول ما يلفت الانتباه في هذا القرار هو أن المحكمة، لم تحسم بعد في الوضعية القضائية للرئيس الأسبق لجماعة الجديدة عبد اللطيف التومي، بعدما قررت تأكيد فصل ملفه عن باقي المتهمين، وإدراجه في جلسة مستقلة. وهذا المعطى يمنح القضية بعدا خاصا، لأن الشخصية التي ارتبط اسمها أكثر من غيرها بهذا الملف، لم يصدر بشأنها بعد القرار النهائي المنتظر، وهو ما يجعل كل القراءات المتعلقة بمصيره القضائي سابقة لأوانها.
ومن خلال منطوق الحكم، يتضح أن المحكمة الاستئنافية، قامت بمراجعة دقيقة وشاملة للقرار الابتدائي، حيث لم تكتف بتأييده أو إلغائه بشكل كلي، بل أعادت فحص مختلف الوقائع المنسوبة إلى كل متهم على حدة. وقد ترتب عن ذلك صدور قرارات متباينة تراوحت بين البراءة، وسقوط الدعوى العمومية بسبب التقادم، واستمرار الإدانة في بعض الحالات، مع إعادة تكييف بعض الأفعال قانونيا.
وتكشف هذه المقاربة القضائية عن حرص المحكمة، على التمييز بين المسؤوليات الفردية وعدم التعامل مع الملف باعتباره كتلة واحدة أو قضية موحدة، تشمل الجميع بنفس الدرجة من المسؤولية. فلكل متهم وضعيته الخاصة ولكل واقعة ظروفها القانونية، التي تستوجب الدراسة المستقلة، وهو ما ينسجم مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة.
كما أن الحكم يسلط الضوء على إشكالية التقادم في قضايا تدبير الشأن العام، حيث سقطت بعض المتابعات بسبب مرور الزمن القانوني، رغم أن الوقائع نفسها كانت موضوع نقاش ومتابعة قضائية لسنوات طويلة. ويطرح هذا الأمر تساؤلات حول المدة الزمنية التي تستغرقها بعض الملفات المرتبطة بالمال العام، ومدى تأثير ذلك على فعالية المتابعة القضائية وعلى انتظارات الرأي العام في الوصول إلى أحكام نهائية داخل آجال معقولة.
ومن الناحية السياسية، يعكس هذا الملف، مرحلة كاملة من تاريخ التدبير الجماعي بمدينة الجديدة، وهي مرحلة شهدت تنفيذ عدد من المشاريع والصفقات والنفقات، التي أصبحت لاحقا موضوع افتحاص ومراقبة وتحقيق قضائي. ولذلك فإن القضية لا تتعلق فقط بأشخاص معينين، بل ترتبط أيضا بكيفية تدبير الموارد العمومية وآليات المراقبة والمحاسبة داخل الجماعات الترابية.
كما أن تبرئة بعض المتابعين أو سقوط الدعوى في حق آخرين لا يعني بالضرورة انتفاء جميع الاختلالات التي كانت موضوع البحث، وإنما يعكس في كثير من الأحيان صعوبة الإثبات الجنائي وما يفرضه القانون من شروط دقيقة لإقامة المسؤولية الجنائية. فالقضاء الجنائي لا يبني أحكامه على الانطباعات أو الشكوك أو الجدل السياسي، وإنما على الأدلة والقرائن القانونية التي تسمح بتكوين قناعة المحكمة.
في المقابل، فإن الإبقاء على بعض الإدانات والتعويضات المدنية، يؤكد أن المحكمة رأت وجود مسؤوليات ثابتة في بعض الجوانب المرتبطة بتدبير المال العام، وهو ما يبرز التوازن الذي حاول القرار تحقيقه بين حماية المال العام وضمان حقوق المتابعين في محاكمة عادلة.
أما فيما يتعلق بعبد اللطيف التومي، فإن فصل ملفه يجعل الأنظار تتجه إلى الجلسة المقبلة، التي ستخصص للنظر في وضعيته القضائية بشكل مستقل. ومن المنتظر أن تشكل هذه المرحلة الحلقة الأخيرة، في أحد أبرز الملفات التي شغلت الرأي العام المحلي بمدينة الجديدة لسنوات طويلة، خاصة أن الرجل كان على رأس المجلس الجماعي خلال الفترة التي ترتبط بها أغلب الوقائع موضوع المتابعة.
وبناء على ذلك، يمكن القول إن الحكم الاستئنافي لم يغلق الملف بشكل نهائي، بل أنهى جزءا مهما منه، في حين أبقى على أهم فصوله مفتوحا، إلى حين صدور القرار الخاص بالرئيس الأسبق للجماعة. لذلك، فإن القراءة الموضوعية لهذا الحكم تقتضي اعتبار ما جرى محطة قضائية أساسية في مسار القضية، دون الجزم بمآلاتها النهائية قبل استكمال البت في جميع الملفات المرتبطة بها.




