الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعسياسة

حكومة البلاغات الفاخرة… والشعب الذي يفاوض الخروف بالتقسيط!

ضربة قلم

اليوم، صمنا عن الكلام المباح… ليس خوفًا، ولا حكمة زائدة عن اللزوم، بل لأن كثرة العبث السياسي في هذا الوطن، جعلت المواطن أحيانًا يشعر، وكأنه يشاهد مسرحية طويلة جدًا، تتغير فيها الوجوه، بينما يبقى النص نفسه، والضحك نفسه، والدموع نفسها.

في سياق متابعتنا لبعض “التحليلات” والتصريحات التي تُقدَّم للشعب المغربي، وكأنها فتح مبين، لم نعد نعرف فعلًا: هل نصفق؟ أم نضحك؟ أم نطلب من التاريخ أن يتدخل قليلًا، ليشرح لنا كيف تتحول بعض الشخصيات، في هذا البلد العزيز، من عناوين للجدل الثقيل إلى “رجال دولة” يتحدثون عن الوطنية، والحزب، والديمقراطية، وكأن صفحات الأمس، قد اختفت فجأة من الأرشيف؟

هناك أشخاص، في أي بلد طبيعي، تكفيهم بعض السوابق الأخلاقية والسياسية، لكي يختفوا سنوات عن الأنظار خجلًا، أو على الأقل احترامًا لذاكرة الناس. أما عندنا، فالأمر مختلف قليلًا. عندنا، يمكن أن يتحول الإنسان من بطل لقصص الشيكات والمآسي الاجتماعية وتشريد عباد الله، إلى محلل سياسي، وفاعل حزبي، وخبير في الوطنية والاقتصاد و”المرحلة الدقيقة”.

والأجمل من كل هذا، أن الرجل يتحدث بثقة العارفين، ويشرح للناس معنى المسؤولية، وكأن المغاربة لا ذاكرة لهم، أو كأن الفقر نفسه أصبح يُسبب فقدان التركيز الجماعي.

ثم يأتيك الحديث عن “النضال الحزبي”، فتكتشف أن بعض الأحزاب تحولت فعلًا إلى ما يشبه “الكلوبات المغلقة”، حيث الوجوه نفسها، والمصالح نفسها، وحتى العواطف نفسها. واحد يبكي على فراق الآخر، وكأننا أمام نهاية مسلسل تركي حزين، لا أمام تدبير مرحلة سياسية، يُفترض أنها مرتبطة بمصير شعب كامل، لا بسوق الحمام ولا بجلسات المجاملة السياسية.

أما الحديث عن الاقتصاد، فهنا يدخل المواطن المغربي منطقة الخيال العلمي.

وزير يخرج ليحدث الناس عن وفرة رؤوس القطيع، وكأن المغاربة لا يذهبون إلى الأسواق، ولا يرون الأسعار بأعينهم، ولا يسمعون أنين الآباء وهم يحسبون ثمن “حولّي” أصبح يحتاج إلى قرض استهلاكي وموافقة من صندوق النقد العائلي.

ثم بكل بساطة، يُقال للمواطن إن الخروف لا يتجاوز ألف درهم. هكذا… بكل أريحية. وكأن الشعب المغربي يعيش في كوكب آخر، أو ربما لأن بعض المسؤولين لم تطأ أقدامهم الأسواق منذ سنوات طويلة، وأصبحوا يعتقدون أن المواطن، ما زال يصدق أي رقم يُقال له عبر الميكروفون.

لكن يبدو أن أحدهم همس لاحقًا في أذن صاحبنا:
“أصاحبي… الشعب لم يعد ساذجًا كما كان يُعتقد.”

فعادت البوصلة قليلًا إلى الواقع، وتحول الخروف فجأة من ألف درهم إلى ألفين. يا سلام! حتى الأضحية أصبحت تعرف كيف تتأقلم مع البلاغات الرسمية.

الخروف المغربي اليوم لم يعد خروفًا بسيطًا كما كان أيام زمان. لقد أصبح كائنًا اقتصاديًا حساسًا، يتابع أسعار المحروقات، وتقلبات السوق، وربما ينتظر بدوره اجتماع مجلس الحكومة ليحدد مصيره.

والمواطن؟ المواطن المسكين صار يعيش علاقة عاطفية مع الأسعار:
كل صباح يقول لنفسه:
“أكيد غادي تنقص اليوم…”
ثم يكتشف مع المساء أن جيبه وحده الذي ينقص.

أما المحروقات، فتلك قصة أخرى تحتاج إلى مؤرخ، لا إلى صحافي فقط. لأن المغاربة لم يعودوا يفهمون كيف تنخفض أسعار النفط عالميًا، بينما تظل محطات الوقود عندنا وفية جدًا لفكرة “الاستقرار”… استقرار الأثمنة طبعًا، وليس استقرار القدرة الشرائية.

الغريب أن البعض لا يزال يتحدث عن “التواصل الحكومي”، بينما المواطن أصبح يحتاج مترجمًا ليفهم الفرق بين الخطاب الرسمي وحياته اليومية. في البلاغات كل شيء بخير، وفي الواقع الناس تتعارك مع الفواتير، والكراء، والمدارس، وأسعار اللحم، وحتى مع فكرة الخروج من البيت.

ومع ذلك، يطلبون من المواطن أن يثق، وأن يصبر، وأن يبتسم أيضًا إن أمكن.

أي وطن هذا الذي صار فيه المواطن يخاف من دخول السوق أكثر مما يخاف من أفلام الرعب؟
أي مرحلة هذه التي أصبح فيها شراء كيلو لحم يشبه عملية استثمارية طويلة الأمد؟
وأي عبقرية اقتصادية هذه التي تجعل المسؤول يتحدث عن “الدعم الاجتماعي”، بينما الشعب، يشعر أنه صار يدعم نفسه بنفسه… ضد نفسه؟

لك الله يا وطني…
وحدهم البسطاء ما زالوا يؤمنون بك رغم كل شيء.
ووحدها الطبقة المسحوقة ما زالت تستيقظ باكرًا، وتعمل، وتؤدي الضرائب، وتصفق أحيانًا، فقط لأنها لا تملك رفاهية اليأس الكامل.

أما البقية…
فقد أتقنوا الكلام كثيرًا،
حتى أصبح الصمت أمامهم نوعًا من الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.