حكومة ترحل.. والمتقاعدون لا يملكون إلا الدعاء!

محمد صابر
هناك كلمات لا تحتاج إلى قاموس حتى نفهم وجعها. يكفي أن تسمع رجلاً بلغ السبعين يقول: “الأمل مات في داخلي… وأنا الآن أنتظر الرحيل.” حتى تشعر أن اللغة نفسهاـ تعجز عن حمل هذا القدر من الألم.
لم تكن تلك جملة في رواية حزينة، ولا مشهداً في فيلم درامي، بل كانت تعليقاً، كتبه متقاعد تحت مقال يتحدث عن أوضاع المتقاعدين. ثم جاء تعليق آخر، لا يقل وجعاً: “لم نعد ننتظر شيئاً… سوى أن يسبقنا الموت إلى الراحة.”
أي مجتمع هذا الذي يجعل من قضى أربعين سنة في خدمة الوطن، يختم حياته بهذا القدر من اليأس؟
أي وطن يقبل أن يتحول خريف العمر، الذي يفترض أن يكون موسم راحة وطمأنينة، إلى فصل طويل من القلق والحسابات المؤلمة؟
المتقاعد لا يبكي لأنه شاخ… فالشيخوخة سنة الحياة. لكنه يبكي لأن العمر الذي أفناه في العمل، لم يمنحه في النهاية سوى معاش يضطره إلى أن يعد الدراهم قبل أن يشتري دواءه، وأن يؤجل فحوصاته الطبية حتى إشعار آخر، وأن يحسب ثمن الخبز والزيت والكهرباء والماء، ثم يكتشف أن الشهر أطول من معاشه.
لقد كان يخرج كل صباح قبل شروق الشمس، يحمل حقيبته أو أدوات عمله، ويعود آخر النهار، وهو يردد في نفسه: “غداً أفضل”. كان يقتطع من راتبه، شهراً بعد شهر، وهو يعتقد أن تلك الاقتطاعات، ليست ضريبة على حياته، بل ادخاراً لكرامة مستقبله.
لكن حين جاء موعد الراحة، اكتشف أن الراحة نفسها، تحتاج إلى دخل لا يملكه.
المؤلم ليس فقط ضآلة بعض المعاشات، بل الإحساس الذي يسكن كثيراً من المتقاعدين، بأن المجتمع نسيهم بمجرد أن غادروا مكاتبهم.
كأن قيمة الإنسان مرتبطة بالكرسي الذي يجلس عليه.
ما إن يغادر الوظيفة، حتى يغادر معها كثير من الاهتمام.
الهاتف الذي كان لا يتوقف عن الرنين، يصمت.
والباب الذي كان لا يخلو من الزوار، يهدأ.
والرجل الذي كان الجميع يحييه، يصبح مجرد شيخ يجلس على مقعد في حديقة عمومية، يراقب الأطفال وهم يركضون، ويتذكر الأيام التي كان يركض فيها خلف لقمة العيش.
ولأن السخرية أحياناً أصدق من الخطب، دعونا نتأمل بعض المفارقات.
هناك من يغادر منصباً رفيعاً، فيبدأ تقاعده الوزاري وهو ما يزال في عز شبابه، ويتمتع بامتيازات ومعاشات مريحة وفق الأنظمة والقوانين المنظمة لذلك.
وفي المقابل، هناك عامل أو موظف أو مستخدم قضى عشرات السنين، بين الملفات أو الورشات أو الأقسام أو الإدارات، حتى انحنى ظهره، وضعف بصره، وأرهقته الأمراض، ثم يجد نفسه مضطراً إلى أن يقتصد في شراء الدواء.
المفارقة هنا ليست في وجود أنظمة تقاعد مختلفة، فلكل نظام قواعده القانونية، وإنما في ذلك الشعور، الذي ينتاب كثيراً من المواطنين عندما يقارنون بين أوضاع فئات مختلفة، ويتساءلون: أين هو ميزان الإنصاف الاجتماعي؟ وكيف يمكن لمن أفنى عمره في خدمة المرفق العام أن يشعر، بعد كل تلك السنوات، بأنه أصبح عبئاً على أسرته؟
أتعلمون ما هو أقسى أنواع الفقر؟
ليس أن لا تملك المال.
بل أن تشعر بأن سنوات عمرك، كلها لم تعد تساوي شيئاً.
أن تقف أمام حفيدك، فيطلب منك لعبة، فتعتذر لأن ثمن الدواء، سبق ثمن اللعبة.
أن تتمنى زيارة طبيب اختصاصي، ثم تؤجل الموعد، لأن الجيب لا يحتمل.
أن تفتح الثلاجة، فلا تبحث عن الطعام، بل تبحث عن طريقة، تجعل ما فيها يكفي حتى آخر الشهر.
كم هو موجع أن يتحول الأب الذي كان سنداً للجميع، إلى رجل يخجل من أن يطلب مساعدة من أبنائه.
وكم هو قاسٍ أن ترى أماً كانت تجمع الأسرة، حول مائدة عامرة، وهي اليوم تقتطع من مصروفها لتشتري دواء الضغط أو السكري.
هؤلاء لم يكونوا عالة على المجتمع.
بل كانوا هم المجتمع.
هم الذين علموا أبناءنا.
وعالجوا مرضانا.
وحرسوا مؤسساتنا.
وشيدوا طرقنا.
وأداروا مصالحنا.
ودفعوا من أعمارهم، أكثر مما دفعوا من جيوبهم.
المؤلم أن بعض المسؤولين يتحدثون عن الأرقام.
أما المتقاعد، فيتحدث عن الألم.
هم يتحدثون عن التوازنات المالية.
وهو يتحدث عن ثمن الدواء.
هم يتحدثون عن نسب ومؤشرات.
وهو يتحدث عن ليلة كاملة، لم يستطع فيها النوم، لأنه لا يعرف كيف سيغطي مصاريف الأسبوع الموالي.
إن المتقاعد لا يريد قصوراً.
ولا حسابات بنكية في الخارج.
ولا سيارات فارهة.
ولا امتيازات استثنائية.
يريد فقط أن يعيش ما تبقى من عمره بكرامة.
أن يشتري دواءه، دون أن يقترض.
أن يزور أبناءه وأحفاده، دون أن يخجل من يده الفارغة.
أن يجلس في مقهى ويحتسي قهوة، دون أن يحسب في ذهنه، كم بقي من معاشه.
أن يشعر بأن الوطن الذي خدمه، لم ينسه عندما اشتعل الرأس شيباً.
أخطر ما قرأته، لم يكن رقماً عن المعاشات.
بل تلك العبارة التي كتبها أحد المتقاعدين:
“الأمل مات في داخلي.”
أي خسارة أكبر من أن يموت الأمل في قلب رجل لم يمت بعد؟
وأي مأساة أعظم من أن يصبح الإنسان، بعد عمر من العطاء، لا ينتظر من الأيام سوى نهايتها؟
هذه الكلمات ليست مجرد تعليق عابر في فضاء إلكتروني، بل هي جرس إنذار أخلاقي واجتماعي. فعندما يفقد المتقاعد الأمل، فإن المجتمع كله، يخسر جزءاً من ذاكرته وخبرته وإنسانيته.
لا أحد يطلب المستحيل.
ولا أحد يعترض على اختلاف الأنظمة القانونية المنظمة لفئات مختلفة.
لكن يبقى السؤال الذي يطرحه كل متقاعد بصمت:
هل يعقل أن تكون نهاية رحلة الكد والاجتهاد هي الخوف من فاتورة الدواء، والقلق من آخر الشهر، والإحساس بأن العمر كله مرّ… ولم يبق منه سوى معاش بالكاد يكفي للحياة؟
إن الأمم لا تُقاس فقط، بما تبنيه من طرق وجسور وعمارات، بل أيضاً بالطريقة التي ترد بها الجميل، لمن أفنوا أعمارهم في خدمتها. فالمتقاعد ليس رقماً في صندوق للتقاعد، ولا بنداً في ميزانية، بل إنسان يحمل على كتفيه تاريخاً من العمل والتضحية.
وإذا كان الشباب هم مستقبل الأوطان، فإن المتقاعدين هم ذاكرتها. والذاكرة التي تُهمَل، يفقد المجتمع معها شيئاً من روحه، قبل أن يفقد شيئاً من توازنه.




